فهرس الكتاب
تظل هذه الأشعار تعزف على وتر الطبيعة تبثها الشكوى والنجوى، وتحاول الاحتماء بشطآنها الحانية من هجير المدينة ومتناقضاتها، كما تريد تأكيد ذاتها المستلبة وتحديد هو يتها عن طريق الاندماج بهذا العالم السامي المتميز والاتحاد معه، الطبيعة تفتح لهم ديكورا مسرحيا فيه من الخيال غير المشوش والحلم السعيد واللاحقيقة الشيء الكثير، ولا يخفى ما في هذا الاغتراب عن الواقع المادي والانفصال عنه وتعميق الاتصال بالطبيعة وتأكيد الانتماء إليها"من شعور ضمني بالاقتلاع وانقطاع الأواصر بالمكان. وليس هذا الشعور غريبا عن الإحساس بالعجز عن ملامسة الواقع والسيطرة عليه" [1] بسبب القلق والتناقض والغموض الذي يكتنفه، والتشويه الذي لحقه، حتى لم يعد محدد الملامح عصيا على الفهم.
وإذا كان جبران ومحمد العيد وأحمد سحنون وجماعة أبو لوكأبناء قرى ذات طابع ريفي أو بالأحرى أبناء ريف تأثروا بالمدرسة الرومانسية، وهم يفدون إلى المدينة فصدمهم واقعها المعقد وطابعها المادي فحاولوا التخلص من مأزق واقعها عن طريق اللجوء إلى الطبيعة وأنسنتها ونشدان الإنعتاق فيها. فثمة اتجاه آخر يفضّل المواجهة، ويعمد إلى تعرية الواقع وفضحه كما هو ، ويصور بطريقة، تجعلنا نستشعر الحضور المكثّف للألم والشرّ والخطيئة في مقابل اللذة والخير والبراءة والطهر، ولعل الياس أبو شبكة خير من يمثل هذا الاتجاه بوقوفه في مسافة واقعة بين طرفي نقيض؛ الطرف الأول متمثلا في البراءة حيث الطفولة والحلم والبساطة والنقاوة، والطرف الثاني متمثلا في العالم أو الواقع المتضمن لكل الشرور ولكل الأثام. إنه يراه عالما موحش الأفاق، مُسخ أناسه، فاستحالوا إلى أفاع وثعابين مخيفة غادرة تنشر السم الزعّاف في الشراب الواقي أو كما يعبر الشاعر: [2]
(1) - خالدة سعيد: حركية الإبداع، ص 44.
(2) - انظر القصيدة في: لحظات جمالية، جورج غريب، دار الثقافة، بيروت لبنان، ط2 1983- ص 22-24.