فهرس الكتاب
عشت في مقلتي ساعة هو ل
حجّرت غصتي على إشفاقي
وأرتني، كأنني في جثام
عالما فيك موحش الآفاق
فرأيت المسخ المخيف على اكمل
حسن، والقزم في العملاق
ولسان الثعبان في قبلة الصّديق
والسم في الشراب الواقي
وسمعت الفحيح في النغم العذب
وصوت العدوفي الميثاق
عالم مشوّش متناقض، اختلطت فيه الأشياء وتلاشت من بينها الحدود، وضاعت الملامح المميزة؛ الغدر في الصداقة، السم في الدواء، والفحيح المخيف في الأنغام العذبة، والخيانة والخديعة في العهود والمواثيق، عالم فيه كل شيء في حين أنه يفتقر إلى كل شيء. إنه فردوس لكنه محاط ومليء بالأفاعي القاتلة: [1]
ورأيت الفردوس لفّت أفاعيه
غصوني وكمّشت أو راقي
بل إنه لـ"مستنقع يتنهّد"و"صباغ فاسد"و"مقاذر"و"سقوط"و"بحر شبهات" [2] كما يعبر الشاعر في مواضع أخرى.
4-الخلفية السياسية:
وهناك اتجاه آخر متميّز كل التمايز عما سبق، لكونه يهاجم المدينة بضراوة ودون مهادنة. مرتكزا على الخلفية السياسية دون غيرها. معتبرا إياها (المدينة) بؤرة الفساد السياسي والقهر واللا عدل. ولعل الشاعر محمد مهدي الجواهري أبرز صوت يمثل هذا الاتجاه بوضوح كبير، وبجرأة لا متناهية. الجواهري ذلك الشاعر العراقي ذوالنفس الغضوبة الثائرة، المتخذة من الكلمة الوجيهة جسرا للعبور إلى الحرية، ومن القلم سيفا مشهورا في وجه الحكام الفاسدين، وسوطا يؤدبهم به من حين لآخر وينبئهم بأوخم العواقب، إنهم يحملون الشعب على الرقص ببلاهة كالقرود. ولذلك فهوغاضب على هذا الشعب المستسلم لعبث الحكام، الراضخ لتجبرهم، لقد هجر هذا الشعب غاضبا غير حاقد [3] :
(1) - م. س، ص 24.
(2) - راجع"أفاعي الفردوس"، ط3، دار الحضارة، بيروت 1962، ص. 37-44.
(3) - من المقدمة للجزء الأول من ديوانه،1949، ينظر: جبرا ابراهيم جبرا:النار والجوهر: دراسات في الشعر -المؤسسة العربية للدراسات والنشر لبنان، ط3، 1982، ص 7.