فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 457

إن ظهور هذه الحركة في صدر الإسلام وبداية الدولة الأموية- وهي فترة تمت فيها أكبر نقلة حضارية في زمن قياسي جدّ وجيز، حيث تغيّرت عقيدة العرب وأفكارهم، وخرجوا من قواقعهم المتناهية: البوادي والقرى، وانفتحوا على عوالم لا متناهية، حاملين دينهم الجديد، متشبّعين بإيمان عميق، فاستقروا ببلدان تختلف عن صحرائهم طبيعةً ونظام معيشةِ، وتقاليد، وتراثًا حضاريًا، جعلت من الطبيعي أن تنعكس كل هذه المتغيرات والمجريات في شعر العربي- بخاصة عند شعب جعل من شعره ديوانه الخاص، يسجل فيه كل كبيرة وصغيرة من أمور حياته - فبعد أن كان الفرد (الشاعر) الجاهلي وثيق الارتباط بكيانه الاجتماعي المحدود، المتمثل في قبيلته،وأن مصلحته لا تنفصل عن مصلحتها. كما عبّر عن ذلك شاعرهم - دريد ابن الصمّة بصدق في قوله [1] :

وهل أنا إلاًّ من غَزِيَةَ إنْ غَوَتْ

... ... ... ... غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ

وأن ليس هناك من حدود واضحة"تفصل حياته الفردية وتجاربه الخاصة من حياة قبيلته وتجاربها" [2] ، بعد هذا تغيرت الأمور ببزوغ فجر الإسلام فتأسست (المدينة - الدولة) ، وصار الحاكم خليفة للجميع، لا شيخ قبيلة، وأصبح الفرد في خضم هذا التجمع البشري الكثيف، يحس بنوع من الانفصال والتمييز بين نشاطه الفردي في حياته الخاصة، وبين نشاط الدولة وما تمور به من تجارب ومشكلات وتكتلالت جماعية، وما تقرّه من قوانين، رأى فيها البعض انحرافا عن الشريعة.

(1) - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، تقديم الشيخ حسن تميم، مراجعة الشيخ محمد عبد المنعم العريان، دار إحياء العلوم، ط2، 1986، ص 507.

(2) - عبد القادر القط: الشعر الإسلامي الأموي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1979، ص 273

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت