فهرس الكتاب
وهنا بدأ المفهوم السياسي بأوسع معانيه"يشيع شيئا فشيئا في الشعر، حين استطاعت العقيدة أن تعلوعلى صوت الانتماء القبلي، وأن تجمع طائفة كبيرة من أبناء قبائل ومواطن مختلفة حول مبدأ واحد من إيمان تمتزج فيه العقيدة بنظام الحكم والاقتصاد وبناء المجتمع، وعلاقات المسلمين بغيرهم من المجتمعات" [1] ، بحيث كان الإسلام قد وحّد الصفوف ووسّع الولاء، ووضع له مقاييسه المعروفة، وأرسى دعائم (الدولة المدينة) ، وجعلها تحت إمرة خليفة مسلم. ولقد اتفقت نظرتهم على الخلافة حادت عن مبدئها بعد حادثة التحكيم، وأن أمور الحكم ونظمه لم تكن تسير وفق مقتضيات شريعة الله التقوى والمساواة والعدالة، بل وأن النظام كله غير شرعي، لأنه اغتصب بالقوة والخديعة، وتطورت فكرتهم وازداد مناصروهم فانتقلوا من الرأي إلى العمل، ومن القول إلى الفعل، فأشعلوها حربا شعواء وجهادا في سبيل المبدأ عازمين في ذلك على تحقيق نظام الحكم الإسلامي"المصفّى"من كل شوائب الرغائب الدنيوية التي يمكن أن تحيد بالحاكم عن طريق الحق والدين" [2] ."
ولقد عكس شعرهم مواقفهم هذه، وكل ما كانت تمور به حياتهم من سخط ونقمة وحنق على نظام الحكم، إنهم وقفوا موقف تساؤل وشك إزاء شرعية السلطة ولم يُسلّموا -والتساؤل حركة واضطراب وتحولّ-، ولقد تمثل هذا التحول فنيّا في الخروج عن نمط القصيدة القديمة وعمودها الشعري، وتمثّل اجتماعيا في رفض القيم الزائفة التي تسود المجتمع، وتمثّل مضمونيا في الإعراض عن تلك المواضيع أو الأغراض التي كان يطرقها كبار شعراء عصرهم، كالتزلّف إلى الحكام والأمراء والولاة والقواد ومدحهم، مدينين سلوكهم هذا، ساخرين منه، ولعل أبلغ تعبير عن هذا الموقف قول شاعرهم عمران بن حطاب مخاطبا الفرزدق: [3]
أََيهًَا المَادِح ُ العباد ليعْطَى
(1) - المرجع السابق، ص 275
(2) - المرجع السابق، ص 376
(3) ، إحسان عباس، شعر الخوارج، دار الثقافة، بيروت، ص 20 .