فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 457

إن لله ما بِأَيْدِي العبادِ

ارج فضل المُقَسِّمِ العوّادِ ... فأسأل الله ما طلبتَ إليهِمْو

لا تقلْ في الجَوادِ ما ليْسَ فيهِ

وتُسمِي البَخِيلَ باسْم الجَوَادِ

إنها سخرية، ولكنها مرّة، سخرية"منفى"يشعر فيها الفرد بشكّه في الآخر، إنها تعبير عن مأساة وتراجيديا الحياة في دولة سطا فيها الملوك والأمراء، ومع ذلك وجدوا من الشعراء من يهلل لهم ويكيل لهم المديح تزلّفا، إن هذا الموقف المرفوض من لدنهم جعلهم يتخذون لشعرهم مواضيع أسمى ومبادئ أرقى، فجعلوا من الشهادة جزءًا ضروريا من التجربة السياسية الشعرية، فهي الفداء الذي عنه يبحثون،إنهم يطلبون الموت بإلحاح هربا من حياة دنيئة لا خير فيها:

أقول لنفسي في الخلاء، ألومها

هبلت، دعيني، قد مللت من العمر!

مذممة عند الكرام ذوي الصبر ... ومن عيشة لا خير فيها دنيئة

سأركب حوباء الأمور، لعلني ألاقي

الذي لاقى المحترق في القصر

إلى غير ذلك من المقطوعات التي تدخل في هذا المضمار، وما أو ردناه هنا كان على سبيل المثال لا الحصر.

ومما يجدر ذكره أن الشعراء الخوارج كثرا ما ينتهون من حضّ أنفسهم وغيرهم على القتال وطلب الشهادة، والإستهانة بمغريات الحياة، إلى موقف زهدي خالص، بعيدا عن أجواء الحرب ومعاني الفداء، زهد يكتفي بتأمل حال الدنيا ومصائر الناس فيها، فيخلص إلى إيمان عميق بأن الحياة عرض زائل، وألاّ مناجاة فيها للإنسان إلا بإعداد العدة للحياة الباقية الأخرى، وهكذا يعتزلون المجتمع وينفصلون عنه،بل ويغتربون عنه، نتيجة ذلك التعارض بينهم وبين صفات أهله، لذلك نجد الواحد منه"يجتنب المجتمع وما يشيع فيه من معتقدات، وينفصل عن عامة الناس، باعتبار أنهم من عوامل ضياع ذاته الأصلية، ولذلك فهوينشد دائما التجوال أو السفر (في البوادي والقفار لما في هذا ) من كشف عن حقيقة ذاته والتعرّف عليها بعيدا عن العامة" [1] .

(1) - الكمشخانوي، جامع الأصول، القاهرة، طبعة الحلبي، ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت