فهرس الكتاب
وفق هذا المنظور تكون الحركة العذرية قد ربطت نفسها بواقع الحياة ولب المجتمع من أجل تغييره، ولكنها انتهت في الأخير إلى مأساة عميقة، يبدوأنها - كانت حتمية، حينما أصبح الواقع يمثل بالنسبة إليها كابوسًا مرعبًا ومزعجًا، لكون نظرتها إلى الواقع الذي أرادت تغييره، كانت - منذ البداية- نظرة تشاؤمية يتحكم فيها الشعور بالتعاسة، فيجعلها قاصرة عن تجاوز هذا الواقع الأليم . ومن هنا كان منشأ الصراع عندهم، صراع بين المبدأ والعاطفة، بين الواجب والواقع والحلم، بين الذات والآخر المناوئ لها، وكان نتيجة ذلك أن تضخّمت الذات وقوي الشعور بها، فازدادت محنتها في مواجهة العالم الخارجي، ومجافاتها له، ولم تستطع تحقيق المصالحة معه، وإن هي حققت قدرا منها فلا يكون ذلك إلا على جسر من الألم والمعاناة والتمزق. لقد عبّر هؤلاء الشعراء بواسطة تجربة الحب وحرمانهم وإخفاقهم فيها، عن معاناة الفرد وشعوره الحاد بالقهر في سجن المجتمع، كما جسدوا الانقلاب المفاجئ في القيم وما يتبع ذلك من حيرة وشك وبلبلة، وبخاصة بعد انتقال مركز الخلافة من الحجاز إلى بغداد وما مورس ضدهم من تسلط وظلم من طرف الحكام [1] - فشاعت في شعرهم نغمة أسيانة وحزن كبير، بل ويأس وقنوط، فطبعه
بطابع الغربة والحنين والفقد الدائم. ومن الأمثلة الصريحة على ذلك قول الشاعر [2] :
وحسب الليالي أن طرحنك مطرحا
بدار قلى تمسي وأنت غريبها
ألا كل مهجور هناك غريب ... أظل غريب الدار في أرض عامر
أجارتنا، إنّا غريبان هاهنا
وكل غريب للغريب نسيب
(1) - لمزيد من الاطلاع على ذلك، أنظر: طه حسين: حديث الأربعاء، ج1، ص 188 وما بعدها
(2) - د/ عبد القادر القط: في الشعر الإسلامي والأموي، ص 106