فهرس الكتاب
بهذا الإحساس القاتم، يكون هؤلاء الشعراء، أصواتا فريدة في أدبنا العربي، بسبب درجة الحس المأساوي الذي يعصف بهم، فيختلط عندهم الحب بالغربة، والأمل بالألم، والشعور الفائر بالطموح والعجز عن تحقيقه، الالتحام بالواقع والتمرد عليه، الارتماء في المجتمع والاغتراب عنه، التخلص من المحاصرة بالحلم، ثم الإفاقة وعدم القدرة على المواجهة.
من هذه المفارقة الأليمة بين ما تريده الذات ولا تستطيعه، وما تطمح إليه ولا تصله، وما يحيط بها ولا تتقبله، تنبع أزمتها وتتفاقم محنتها، ومنها أيضا ينبثق شعورها الحاد بوطأة المكابدة، وليحاصر الشاعر بعدها بغربة أشد وأعمق حتى وهوبين أهله وذويه- ولعل أفدح غربة وأشدها عصفا بالنفس ما كان في الأوطان بين الأهل والخلان، فيقع في نحيب مأساوي:
غريب إذا ما جئت طالب حاجة
وحولي أعداء وأنت مشهّر