فهرس الكتاب
1@على كبدي، من خشية أن تصدّعا ... ومهما يكن من أمر هذا الاغتراب، فإنه في آخر الأمر يولد للإنسان الشعور بالخوف. الخوف من كل شيء، من المستقبل، بل ومن الحاضر نفسه، لأنه حاضر يطير به على نحومتصل إلى عالم اليأس والحرمان الذي يخلقه، وليس هناك من سبيل إلى الطمأنينة في ظل هذه الحياة المدنية التي فقدت تماسكها، وانهارت، دعائمها وفقدت بالتالي شكلها، فكثّفت وطأة الألم وزادت المعاناة الوجدانية عمقا، إن الاغتراب عن هذا المكان والفرار إلى الماضي والتشوق إلى مواطن الصبا والحب الأول - والماضي يحتل مساحة غير قليلة في وجدانهم- فيتمنون العودة إليها ذات يوم ليجددوا ما انقضى منها، ويعيدوا بها رأب ما تصدع من الذات، فتتميز هذه المواطن بميزات البداوة الطاهرة النقية العفوية، التي طالما رمز بها الشعراء إلى"الحياة البسيطة"في ظل الطبيعة"البدائية الجميلة"، فيتكئون على رموز بدائية مهمة تحتل موقعا بارزا بين رموز الطبيعة الريفية، وتعد من أشد الألفاظ التصاقا وواقعية في ذات العربي ذي الحس الريفي المتأصل، ومن هذه الألفاظ مثلا: (الرمل - الحمى - الخيمة - الربّى- عرار- منهل- وادي الخصيب) وغيرها كثير.
ولعل هذا الارتداد إلى الماضي، يحمل في طياته مغزى عميقا في اللاوعي، ويتمثل في محاولة تخثير لسيولة الزمن، وإيقاف لحركته وإرجاعها إلى نقطة البداية، التي يحنّون إليها ويحاولون التشبث بها، وبهذا نستطيع القول بأن هذا التشبث بالماضي والحنين إليه زمانا ومكانا، يعكس وضعا حضاريا عاما للإنسان العربي الحائر المتذبذب بين ماض وقد ولىّ ولم يبق له وجود إلا في الذاكرة الحلمية، وحاضر معيش لكن لا يُفهم، ومن هذه الأبيات التي تعكس هذا التشبث والحنين قولهم [1] :
وأذكر أيّام الحمى، ثم أنثني
لقد هاج لي مسراك وجدا على وجد ... ألا يا صبا نجد، متى هجت من نجد
(1) - عن د / عبد القادر القط (مرجع سابق) .