فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 457

فما فتئت ميوعة الحياة في زمن الشاعر، وافتقادها للقيم الحقيقية، تلفح وجدانه وتهز مكامن الإبداع في نفسه، فتفجّرها رؤى صادقة وشعرا متساميا ناقما على الزمن والوجود، محاولًا في ذلك تغييره، فالشاعر لا يعيش في عالم متهاوفحسب، بل في عالم خانق لكل ما في الحياة بمن فيها، فكان أشبه بمن يروم التغيير ويريد الإنقاذ كالأنبياء أو من يدانيهم في صحة الرؤية وسموّها. إنّ عصره لم يكن أحسن حال من العصور التي بعث فيها الأنبياء، لقد كان في حاجة ماسة وملحّة إلى منقذ يخلّصه من أو ضاعه المتردّية، ويوقف تهاويه ويعيده إلى توازنه، وإن كانت النبوة رؤيا صادقة مدعمة بعون إلهي، فإنّ رؤيا أبي الطيّب إلى مجتمعه وعصره، رؤيا تحمل الكثير من الصواب والصدق والتسامي، ونستطيع القول أنها نبوة فلسفية تدعمها الرؤيا العميقة بالروافد والمرتكزات السليمة.

إذن ومن خلال هذا المنظور يتبدى لنا بأن غربة المتبني كانت فكرية أكثر منها نفسية، لأنها انبنت على المواجهة الشديدة لا الانسحاب، وعلى المصادمة العنيفة لا الانطواء، ولم تشمل ذاته فقط، بل امتدت لتشمل حركة الحياة من حوله بكل تجلّياتها وتناقضاتها"لتتمركز في النهاية حول الإنسان في مواجهة الحرية والإرادة، والتفاهة التي تنسج خيوطها حول ذهنه والسأم الذي ينخر روحه" [1] ، فكانت أشدّ وطأة ومعاناة من الغربة النفسية التي رأيناها عند أبي نواس، والتي لا تتعدى حدودها مساحة الذات.

في هذا الموشور الضوئي تتقوض كل الدعائم التي تنتصب فوقها القيم، ويرسوعليها البناء الإجتماعي والحياتي والسياسي. وهذا التهاوي والسقوط لا يمس المظهر فحسب، بل يدلج إلى الجوهر الماسك لهذا البناء المزعزع أصلا، فيعمد إلى هدمه، لأن كل ما يحيط به ويتأسس عليه زيف وتضليل مذمومان:

أذمَّ إليَََّ هذا الزَّمان وأَهْلِيه

(1) - د/ عبد الله احمد المهنا: تجربة الاغتراب عند نازك الملائكة، مجلة الشعر، العدد 42،أبريل 1986،ص32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت