فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 457

وعلى ضوء هذا كان المتنبي من أكثر الشعراء هجوما على الواقع، كما أنه كان"أحد الطرائد في عصره، فقد طارده الكهنوت السياسي، كما طارده الكهنوت الديني، (...) لأنه رفض أن يمدح أميرا كبيرا، أو وزيرا خطيرا فكان الرفض اعتداء على الأعراف المقدسة" [1] ، ولأنه كان بطلا في كل مواقفه، بطولة يتآلف فيها الغضب والنرجسية، بطولة تنبع من ذات أبية ضخمة، معادية لعالم الواقع، ذات لا ترى نبعا للحقيقة المثلى فيما عداها، وليس هناك من شيء أحق بالإدراك إلاّ ها، إنها ذات تجسد الشمم البدوي في رفضه وتمجيده للصراع العنيف المحقق لكيانها، في مقابل الخنوع المدني وتسليمه.

ومما يجدر ذكره هو أن التمرّد والأنفة، والحيرة والقلق، لم يكن دأب أبي نواس أو المتنبي دون غيرهما من الشعراء، أو قل المثقفين- بصفة عامة في ذلك العصر - فلقد كان في شعر بشار بن برد شيء غير قليل من العدوان على المجتمع والاستهتار بقيمه وآدابه. كما أنّ شعر ابن الرومي- الذي عاش في العصر العباسي الأول، أي سابق على هؤلاء جميعا- يعكس الكثير من الشكوك إزاء المجتمع، ويحمل قلقا كبيرا، ونظرة تشاؤمية سوداوية، ساعد على تعميقها وملازمتها له ، طبيعة مزاجه العصبي من جهة، وما لاقاه من عنت وقهر في عصره من جهة أخرى . ولم يخرج عن هذا الخط كل من أبي تمام

وأبي العلاء، وأبي العتاهية وابن بابك [2] وديك الجن وغيرهم [3] .

(1) - محمد شرارة: المتنبي بين البطولة والاغتراب، ص 249.

(2) - لم نلتزم بالترتيب الزمني في ذكر الشعراء، لأننا رأينا أنه أمر غير ذي أهمية، فأهم في نظرنا، هو وحدة المعاناة وتجلي الظاهرة.

(3) - لمزيد من الاطلاع انظر: أدونيس: مقدمة للشعر العربي، ص 39،41،46،52،58،61،64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت