فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 457

ولعله من المرجح أنه لم يؤلف هذا الكتاب من أجل انتقال أفلاطون أو معارضته - وإن كانت الفكرة واحدة- بل ربما من أجل إنقاذ الخلافة وتخليصها مما آلت إليه، هذا فضلا عن أن مدينته كانت تنتمي إلى حقل دلالي مختلف عما كان عليه الأمر عند أفلاطون، إضافة إلى كونها فكرة أملاها واقع سياسي مغاير تماما للواقع السياسي في اليونان عهد أفلاطون، كما أنها نتاج ظروف سياسية عرفتها الأمة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ينضاف إليها اختلاف المنطلق عند الفيلسوفين، فإن كان عند أفلاطون وثنيا تطبيقيا، فإنه عند الفيلسوف المسلم توحيدي تجريدي، نشأ في ظل مناخ حضاري واجتماعي مخالف تماما إن لم يكن متناقضا مع مناخ العهد الأفلاطوني.

والمدينة الفاضلة في رأي الفارابي هي"المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة الحقيقية" [1] . المدينة الفاضلة، فاضلة بآراء أهلها وحسن نيتهم مهما كانت تجريدية تنضاف إليها بعد ذلك، الأفعال العملية المحققة والمجسدة لتلك الآراء على أرض الواقع، فلا سعادة لأهل المدينة - في رأي الفارابي- إلا بتعاونهم الجاد على بلوغهم سعادتهم بالفكرة الموحّدة أولا وبالعمل ثانيا، لأن الفكرة مهما كانت ميتافيزيقية أو تجريدية و"رغم أنها تقع ضمن الفروع النظرية من الفلسفة، فلها علاقة مباشرة بحياة الإنسان المدنية وسعادته (...) فسعادة الإنسان القصوى وكماليته يوقفان ليس فقط على أفعاله بل وهوالأهم على آرائه أيضا" [2] ، ولذلك فليس من قبيل المصادفة أن يسمي الفارابي كتابه هذا، الجامع لشروط تحقيق العدالة والفضيلة والسعادة وبعبارة أخرى سياسة الحكم والحياة، بـ (آراء أهل المدينة الفاضلة) .

(1) - الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، دار المشرق ش م م بيروت، ط5، 1986، ص 118.

(2) - د/ فوزي متري نجار: مقدمته: لكتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1964، ص15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت