فهرس الكتاب
وهويرى بأن"الخير الأفضل والكمال الأقصى إنما ينال أو لا بالمدينة، لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها" [1] ، ثم بالأمة، ثم بالمعمورة كلها، وعلى هذا تكون المدينة هي أصغر وحدة سياسية يمكن للإنسان بالاجتماع فيها أن يبلغ سعادته المأمولة، في حين أنه يتعذر حصولها في الاجتماع الذي هو أقل منها. أي تكتمل سعادة الناس باكتمال اجتماعهم - الذي تعدّ المدينة كحد أدنى له- وكلما زاد عدد المجتمعين وكثر، ازداد حصول السعادة وكمل تحقيقها، شريط تعاون أفراد هذا الاجتماع على أعمال الخير. وأكمل اجتماع إنساني في رأيه هو ذاك الذي يجمع كل أمم الأرض. لقد كان الفارابي في هذا الأمر أو سع تصورا من اليونانيين، لأن مفكريهم لم يخرجوا في الأمور السياسية من أفق الحياة اليونانية" [2] .وهوبهذا يتجاوز دولة - المدينة التي عرفوها أو بالأحرى عملوا على تجسيدها، ولعل هذا التصور كما يقرر جميل صليبا، ناتج عن تأثير الاعتقاد الديني؛ إذ أن"الإسلام لم يعرف دولة- المدينة بمفهومها اليوناني" [3] كما يقرر عبد الرحمن البدوي وكما يظهر أيضا رزونتال القائل"بأن المجتمع الكبير الذي يحتوي على عالم متحضر كله (الأمة المتوسطة الحجم ) أتى به الفارابي من محيطه الإسلامي. وهذا يتكامل مع النزعة الكونية عند الإسلام، تلك النزعة التي ترى أن الإسلام نمط حياة والتي تقول بالإمبراطورية الإسلامية دار الإسلام وبانتصارها عن طريق الجهاد على دار الحرب [4] ،
(1) - م.ن،ص 118.
(2) ، جميل صليبا: من أفلاطون إلى ابن سينا (المرجع المذكور) ، ص 65.