فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 457

وبشيء ثالث شبه طبيعي هو اللّسان، هذا إضافة إلى أن الفارابي لم يتحدث عن (آراء أهل الأمة الفاضلة) أو (آراء أهل المعمورة الفاضلة ) ، بل استعمل لفظة المدينة، هذا على الرغم من كثرة استعماله للفظ الأمة في ثنايا كتبه ذات الطابع السياسي، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إدراكه للنزعة الشمولية للإسلام ومحاولته تطبيقها، أو المناداة بها كما أراد له أصحاب الآراء السابقة بشيء من التعسف والمغالاة، كما أنه لم يرد مخالفة أفلاطون وغيره من اليونانيين -بدافع ديني- الذين عملوا على تضييق مدنهم وحصرها في مساحات محدودة ...والملاحظ أن الفارابي لا يقتصر في حديثه على الأمم والمدن الفاضلة فقط، بل يمتد الحديث ليطال الأمم الجاهلة والضالة أيضا، أي الصورة السلبية المقابلة للمدينة الفاضلة.

فإذا كانت المدن الفاضلة، فاضلة بآرائها وأعمالها، فان المدن الجاهلة والضالة تكون كذلك، نظرا لجهلها السبل الحقيقية للسعادة وإنبناء آرائها على مجرد أو هام وظنون وسفسطة وجدل إقناعي لا يمت إلى الحقيقة بصلة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن توظيفه للفظ (الجاهلية) لا يعني القصد من ورائه الإشارة إلى مجتمع ما قبل الإسلام، ولا يعني وروده في سياق ديني بحت -على الرغم، مما يوحي به السياق الدلالي الاصطلاحي- ولكن يعني عنده أيّ مدينة فسدت آراؤها [1] ، وجهلت طريق السعادة، وبذلك يكون الجهل ضد المعرفة، وعليه فالفضيلة مقرونة بالعلم والمعرفة، والفساد مقرون بالجهل، سواء تعلق الأمر بأمم ما قبل الإسلام أو بـ"المدن الجاهلية والضالة الموجودة اليوم في الأمم"كما يقول هو نفسه في عرض كتاب الآراء، وفي هذا لا يخرج كثيرا عن خطى معلمه اليوناني في كون اعتبارهما السياسة علما يكتسب ويتعلّم، وفي كون إقرارهما بضرورة إقامة الدولة الفاضلة على المعرفة الصائبة.

(1) - ينظر: بن عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة السياسية عند الفارابي، ص 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت