فهرس الكتاب
والملاحظ أن وصف الفارابي للمدن الضالة والجاهلة - يعتقد البعض أنها فصول زائدة - أبلغ من وصفه للمدينة الفاضلة، وذلك أنه يتكلم على القهر، والقوة، وتنازع البقاء، والبغض، والتغالب، وغير ذلك من روابط هذه المدن" [1] بكثير من التفصيل، ولعلّ ذلك راجع إلى شعوره بالتقصير في توضيح صفات أهل المدينة الفاضلة. ويتنبه الفارابي إلى أن هذا التقسيم الذي أتى به لهذه المدن، ليس تقسيما واقعيا، ولا تقريرا وصفيا أو رسما موضوعيا لما هو عليه الواقع، بل لا يعدوأن يكون تقسيما اصطلاحيا تجريديا -بقصد التوضيح- أو بالأحرى تنظيرا للواقع لا يمكنه بلوغ درجة التطبيق، نظرا لأن الواقع مزيج مركب من اختلاط هذه السياسات الجاهلة فيما بينها. وهوفي هذا لا يحيد عن خطى معلمه اليوناني أفلاطون في كون أن ما كتبه من صفحات"في دراسة المدن غير الكاملة"لا تصور"لنا تخطيطا للقانون الدستور المقارن، وإنما تكون فصلا في فلسفة علم الإنسان وتصف لنا النماذج الأساسية - نماذج أخلاقية واجتماعية معا- التي تحقق فيها الحياة الإنسانية في المجتمع" [2] وتبرزها لنا لتبين المدن الفاضلة من المدن الجاهلية."
(1) - جميل صليبا: من أفلاطون إلى ابن سينا، ص 72.
(2) - السكندر كوبيري: مدخل لقراءة أفلاطون، ترجمة: عبد المجيد أبو النجار، مراجعة: د/ أحمد فؤاد الأهواني، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، بدون تاريخ، ص164.