فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 457

وخلاصة القول أن الفارابي كان متأثرا في كثير من مسائله السياسية بأفلاطون، وإن حاول أن ينظر إليها بعين إسلامية ولكنه كان يبالغ في التجريد في بعض المفاهيم والاشتراطات، مما جعل مدينته تقترب من اليوتوبيا أو الحلم أكثر من اقترابها من الواقع الموضوعي. ولكن كما سبق وأن ألمحنا، لا وجود لحلم دون واقع ينطلق منه ويحاول تجاوزه والتخلص منه، هذا فضلا عن أن الحلم، لا يكون دائما وبالضرورة خاليا من الحقائق؛ فـ"كثيرا ما يفضّل الخيال على الحقيقة، وتنسج الحقائق من خيوط الأحلام" [1] .

ولما كانت الشروط الحضارية متقاربة، والظروف الواقعية متشابهة، والأطر المعرفية لم تزل بعد، تمتلك خاصية تأثيرها، فإن جميع من أتى بعد الفارابي من فلاسفة مسلمين أو بعبارة أو ضح (فلاسفة فقهاء) [2] ، باعتبار رؤاهم دائرة، تخومها أو قطباها الدين والواقع، أو لنقل (فقه الواقع) ، فإنهم جميعا، حلموا الحلم نفسه، وتاقوا إلى وسم مدينة الأرض بِسمات مدينة السماء، وتقريب مدينة البشر من مدينة الله وتخفيف وطأة مدينة الدنيا وتليين يبوستها بنفحات من مدينة الدين؛ مشترطين فيها كل ما اشترطه الفارابي حتى وإن اختلفت زاوية النظر، واختلفت المفاهيم، إلا أن القضية تبقى هي هي.

د- صورة المدينة في الحضارة الأندلسية:

(1) - جميل صليبا: من أفلاطون إلى ابن سينا، ص 80.

(2) - هؤلاء الفلاسفة أمثال: ابن سينا، ابن باجة، فلاسفة الفكر الشيعي، والفكر الأشعري (الماوردي) وفي قرطبة ابن رشد. وينتقد ابن خلدون فيما بعد هذه النظرة التجريدية والرؤية الطوباوية، مؤكدا عدم إمكانية وقوعها بقوله:"إنها نادرة أو بعيدة الوقوع"وأنهم يتكلمون عليها (المدن الفاضلة) من جهة الغرض والتقدير"المقدمة، ص: 303 . على الرغم من هذا الانتقاد بل والدعابة، وعلى الرغم من أنه حاول تأسيس نظرته على معرفة طبائع العمران كما هو واقع، إلا أنه سار على نفس نهجهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت