فهرس الكتاب
فإذا كان هذا حال العصر العباسي وموقف شعرائه ومفكريه من الحياة فيه، فكيف يكون موقف الناس من الحياة في الأندلس، ذات البناء المعماري الباذخ، والطبيعة الخلابة، وما صاحب ذلك من ترف ولهو، لم يشهد له العربي مثيلا، في بيئته الأصلية (الشام والحجاز) . هل هو موقف إيجابي أم سلبي؟ هذا ما سنحاول التعرّف عليه فيما يلي من الصفحات.
أولا الموقف الإيجابي:
1-وصف فردوسها:
لقد بلغت الأندلس من الحضارة والمدنية، ما لم تبلغه بلدة من البلدان التي سكنها العرب المسلمون، أو استوطنوها فاتحين؛ فلقد أجمعت المصادر القديمة والدراسات الحديثة، على أنّ بهجتها وخصوبة تربتها، وثراء مرابعها، وفتنة عمرانها واتصال مدائنها، تفوق كل وصف، حتى لأنها غدت درّة الزمان وجنة الأرض، وفتنة الدهر، يتشوق إليها كل من حُدِّث عنها، أو بُلِّغ أخبارها، أو قرأ أو صافها في شعر شعرائها أو استمع إلى زائريها من الشعراء الآخرين ويتسابق في التوافد عليها كل من هيّئت لهم أسباب ذلك ."ومما قاله ابن سعيد المغربي واصفا إياها ما يلي:"ميزان وصف الأندلس أنها جزيرة قد أحدقت بها البحار، فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة. فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة، ما بين قرى ومياه ومزارع" [1] . وقال ابن اليسع أيضا في وصفها:"لا يتزود أحد ماء حيث سلك، لكثرة أنهارها وعيونها، وربما لقي المسافر فيها اليوم أحد أربع مدائن ومن المعاقل والقرى ما لا تحصى. وهي بطاح خضر وقصور بيض" [2] . هذا فضلا عن إسهاب الشعراء في وصف روعة جمال طبيعتها، وتربتها المغدقة، ومياهها الدافقة، وقصورها الباذخة، مثلما نرى في قول ابن خفاجة:"
يا أهل أندلس لله درّكم
ماء وظلّ وانهار وأشجار
(1) - المغرب في حلي المغرب، نقلا عن: ملامح الشعر الأندلسي لعمر الدقاق،ص 8،9.
(2) - تاريخ الأدب العربي: حنا الفاخوري،ص: 797، نقلا عن: ملامح الشعر الأندلسي، عمر الدقاق، ص9.