فهرس الكتاب
ولكن الزمان دوار لا يقر له قرار، ولا يثبت له حال، والإنسان في ذلك كله لا يملك من أمره شيئا بل هو أشبه ما يكون بريشة في مهب الرياح. هكذا دارت عجلة الزمن وصار حسن حال الأندلس العربية المسلمة إلى أسوأ حال؛ كانت الدورة: فتح، وتمركز، وقوة، فحضارة، ثم تشتت وتناحر وضعف، وفساد، فسقوط، بهذا أصبحت هذه المدن- التي ارتبط العربي بأرضها من أعماقه وتجذرت في كيانه- نهبا لغربان البربر والصليبيين، فقاومت بكل بسالة، ولكنها سقطت في الأخير فيما ليس منه بد، وصارت بعد هذه الهجمات الشرسة أثرا بعد عين، ووحشة بعد أنس، وخرابا بعد حسن، كما أتى على وصفها ابن حزم بمرارة بالغة وحزن عميق وأسى بليغ في كتابه"طوق الحمامة"فيقول: [1]
"ولقد أخبرني بعض الوارد من قرطبة وقد استخبرته عنها، أنه رأى دُورَنا ببلاط مغيث، في الجانب الغربي منها، وقد امّحت رسومها وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيّرها البلى وصارت صحاري مجدبة بعد العمران، فيافي موحشة بعد الأنس وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كالليوث، فصاروا في البلاد أيادي سبا. فكأن تلك المحاريب المنمقة والمقاصير المزينة التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلوالهم حسن منظرها، حين شملها الخراب وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تأذن بفناء الدنيا وتريك عواقب أهلها. وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار ساكنيها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدوء والاستيحاش. فأبكى عيني، وأوجع قلبي، وقرع صفاه كبدي..."
(1) - علي ابن حزم، طوق الحمامة، القاهرة 1967، ص 94، (أخذناه من: ملامح الشعر الأندلسي، عمر الدقاق، ص274)