فهرس الكتاب
ولم يملك الشعراء إزاء هذا الأمر الجلل، والخطب الفادح، إلا أن تفيض نفوسهم بما يدمي الأفئدة ونيكأ الأكباد من أشعار رثائية تتفجر غما وكمدا على ما آلت إليه مدنهم الأثيرة لأنفسهم، ومواطن ذكرياتهم، ومرابع صبابتهم وصباهم. فهاهوابن حزم يرثي مدينته بعد أن كان قد رثاها نثرًا، مرتاعا لما حل، آسفا على ما آل إليه حالها [1] :
سلامُ على دَارِ رحْلِنَا وغُودِرَتْ
خلاءً من الأهْلِينَ موحشةً قَفَرَا
تراها كأنَّّ لم تَغنَ بالأمسِ بلقعَا ... ولا عَمَرت من أهلِهَا قبلنَا دَهْرَا
فيا دارُ لم يُقْفِركِ منا اختيارُنا ... ولوأنَّنَا نستطيعُ كنتِ لنا قبْرَا
ولكن أقدارا من الله أنفذت ... تدمرنا طوعا لما حل أو قهرا
سقتك الغوادي ما أجل وما أسرى
فيا خير دار قد تركت حميدة
ولم يكن غرض رثاء المدن جديدا، فلقد وصف ابن الرومي محنة البصرة [2] التي تعرضت لها على يد الزنوج وسواهم من العبيد عام 277هـ ولكن الجديد في أمر شعر الأندلس هو الانتشار الكبير لهذا الغرض وطغيانه في فترة ما على سائر الأغراض، نتيجة التهاوي المتتالي للمدن الأندلسية في أيدي أعدائها،والمتناحرين عليها من ملوك الطوائف وغيرهم، كما يكمن الجديد أيضا في ذلك الأسى العميق الذي يطبع قصائدها، وتلك المقابلة بين أمسها الزاهي، وحاضرها الأسود. فهاهوابن شهيد الذي كان في قلب قرطبة، وقدر له أن يشهد مأساتها بكل تفاصيلها، هاهويرثيها بأسى عميق وحزن بالغ: [3]
ما في الطلول من الأحبة مخبر
فمن الذي عن حالها نستخبر
في كل ناحية وباد الأكثر ... جار الزمان عليهم فتفرقوا
يبكي بعين دمعها متفجر ... فلمثل قرطبة يقل بكاء من
(1) - لسان الدين ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص 107، عن عمر الدقاق، ملامح الشعر الأندلسي (م.س) ص 275.
(2) - لسان الدين من الخطيب: أعمال الإعلام، ص107، نقلا عن: ملامح الشعر الأندلسي عمر الدقاق، ص 275
(3) - عمر الدقاق: ملامح الأندلس، ص276