فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 457

"... فلورأيت قطر بلنسية، نظر الله إليه، وعاد بنوره عليه، وما صنع الزمان به وبأهليه، لكنت تند به وتبكيه. فلقد عبث البلى برسومه، وعدا أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي وعن نكدي ويأسي...".

وهاهوابن خفاجة الذي عانى من وطأة تلك الأحداث المريرة، وشهد من الأهوال الشيء الكثير، يحز في نفسه ما ألم ببلنسية على يد الإسبان فيرثيها بقوله: [1]

عاثت بساحتك العدا يا دار

ومحا محاسنك البلى والنار

طال اعتبار فيك واستعبار ... فإذا تردد في جنابك ناظر

وتمخضت بخرابها الأقدار ... أرض تقاذفت الخطوب بأهلها

كتبت يد الحدثان في عرصاتها

لا أنت أنت ولا الديار ديار

والمدن المرثية كثيرة جدا، ليس هذا مجال ذكرها، حسبنا ما ذكرنا، لنبين مكانة المدينة في نفس الإنسان الأندلسي.

بتلك المقاطع المؤثرة وغيرها من القصائد الطوال بكى الأندلسيون مدنهم الضائعة وفردوسهم المفقود بعد تلك الضربات المتتالية التي توالت عليها من كل حدب وصوب، مرتكزين في رثائهم المرير- لبيان فداحة الخسران ومدى مبلغه من النفوس - على المقابلة بين ثنائيتين ضدّيتين، إحداهما زاهية مشرقة وهي أمسها السعيد ،والأخرى معتمة سوداء هي حاضرها التعيس، معبرين في كل ذلك عن أساهم العميق وحزنهم الشديد، وحنينهم الجارف وتشكّيهم من سطوة الأعاجم وما تعرضت له النساء المسلمات من سبي وخزي، وأطفالهم من تشريد وقتل ... صابّين أحيانا جامّ غضبهم ليس على العدوالمغتصب، بل على بعض الحكام الذين لم يكن لهم من هم سوى الإغراق في أتون اللذّة وما يتبعها من خمر وسمر ... والانشغال عن مستوجبات الحكم وتدابيره. فضعفت بسبب ذلك الدولة، وصارت نهبا للأعداء فكان هذا حالها. ومن خلال هذا يمكننا الآن تتبع الموقف السلبي من المدينة لديهم .

ثانيا: الموقف السلبي من المدينة:

1-مظاهر التهتك والمجون:

(1) - عمر الدقاق، (المرجع نفسه) ، ص 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت