فهرس الكتاب
ولكن على الرغم من هذا التغني الكبير بمفاتن الأندلس، والحنين الجارف إليها- بعد سقوطها - والارتباط العميق بها إلا أن هناك نفوسا لم تكن لترضى عنها، ولا بوضع الحياة فيها، ولا الأخلاق التي تسودها. فحياة القصور والنعيم والترف لم تله الشعراء عن النظر إلى الجانب المعتم من الحياة، ولم تلهمهم الحبور والغبطة وحدها فقط، كما أنها لم تلهمهم عواطف رخوة، وتغافلا عن التفكير في المصير، بل أو حت إليهم بشعر ينمّ عن قلق عميق مما آلت إليه الحياة، ويترجم عن وجدانية حيرى يكاد اليأس يكون طابعها الرئيس.
لقد كانت هذه النفوس ناقمة على حياة لا همّ لأحدهم فيها سوى"كأس يشربها وقينة تسمعه ولهويقطع به أيامه" [1] ، كانت تبكي القيم الضائعة وسط هذا الجوالمديني المشحون بالفسق والمجون والتهتك الأخلاقي، والخلاعة والعبث الجريء، الذي جاء كنتيجة لكثافة التمركز البشري وتباين أفراد المجتمع واختلاف اتجاهاتهم وتعدد مشاربهم، وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فكان مجتمعا هشّ البناء، قليل الاستقرار، كثير الهزات سريع العطب، فاضطربت النفوس وتخوفت، وشاع في الأفق قلق كبير، أدى بالأندلسي إلى"البحث عن الاستقرار بشتى الوسائل أو على الأقل إلى تسكينه والتخفيف من حدته ولومؤقتا" [2] ، فمال إلى اللهووطلب المتعة الآنية بشتّى ألوانها وضروبها، من إغراق في شرب الخمر، ورقص وغناء وطرب وموسيقى وما شابهها، فباتت الحياة عندهم حلقة متصلة من المتع لا تنتهي، وأضحى الشراب وطقوسه بالنسبة لهم"ديدنا حتى صار عندهم من لا يبتذل فيه ولا يتلاعن ممقوتا"
(1) - محمد رضا الشبيلي: أدب المغاربة والأندلسيين: في أصوله المصرية ونصوصه العربية، دار اقر للنشر والتوزيع والطباعة، ط2، بيروت 1984، ص 74.
(2) - د/ جودت مدلج: الحب في الندلس، دار لسان العرب، بيروت، ط1، 1985، ص 112.