فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 457

ثقيلا" [1] ، فكان ذلك علامة على التحضر السلبي ومظهرا من مظاهر التمدن الزائف. فتهتك الشعراء والوزراء، والقضاة والفقهاء، بل وحتى الأمراء والخلفاء، وانتشرت الخلاعة والمجون وعمّت مسرح الحياة، وساءت الأخلاق، وجهر الناس بها، وأصبحوا يمارسونها علنا ويتفاخرون بنوال الحظ الأوفر منها والتفنن في ارتيادها والتمتع بها، بل والتحسر على ضياع يوم بدونها، يقول الرمادي:"

اشرب الكأس يا نصير وهات

إن هذا النهار من حسناتي

لومضى الدهر دون راح وقصف

لعددنا هذا من السيئات

انقلبت القيم وتجرأ الناس على شرع الله، فصارت المعصية مأجورة، والطاعة مأثوما عليها. والحديث عن هذا الأمر يطول لونحن تتبعناه، لذلك سنكتفي بوقفة مع الشاعر يحيا الغزال [2] في وصفه للخمرة ومجاهرته بها وتهتكه فيها تهتكا فاق ما كان عليه المشارقة أمثال أبي نواس ومن والاه، لنظفر بصورة هي أنقل للوعي النفسي لدى الأندلسي، وأنقل لحركة الأشياء خارج الشعر، صورة تمارس العلاقة مع الواقع، منه تنطلق ومعه تتوازى، فتكون بذلك أشد بساطة وأكثر اقترابا من الحياة اليومية للإنسان الأندلسي، يقول الغزال [3] :

فلما أتيت الحان ناديت ربه

فهب خفيف الروح نحوندائي

على وجل مني ومن نظرائي ... قليل هجوع العين إلا تعلة

طرحت إليه ربطتي وردائي ... فقلت أذقنيها، فلما أذاقني

وقلت أعرني بدلة أستتر بها

بذلت له فيها طلاق نسائي

(1) - م.ن، ص. ن، عن المقري نفح الطيب: ج3، ص 213.

(2) - يحي الغزال 156هـ، 256 هـ ذاعت شهرته أيام الحكم الربضي، ينتسب إلى بكر بن وائل.

(3) - د/ عمر الدقاق: ملامح الشعر الأندلسي، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، حلب 1978، ص 64، أخذها عن المطرب لابن دحية، ص 148

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت