فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 457

فضلا عن أن لغة هذه المقطوعة تحمل نكهة الشارع والزمن اليومي، ببساطتها واقترابها من لغة الناس العادية المتداولة، فإنها تتحلل من كل رزانة، وتبتعد عن كل وقار. فالشاعر يواجه موضوعه بجرأة لا تكتم مشاعرها، حتى يبدوالحدث أمامنا كما هو معيشا خارج النص، فهوهنا لا يختبئ تحت عباءة الشعور بالتفوق والتميز أو التحرّج، بل إنه يداهم موضوعه دون حرج من كشفه، فالغزال هنا يميط اللثام عن تجربته ليبدوما حدث واضحا عاريا بعيدا عن أي افتعال يراعي رد الفعل الاجتماعي.

هكذا سيدخل الغزال الحانة ليمارس متعة الغياب، وهكذا تبدوالعلاقة بين الغزال وصاحب الخمر علاقة حميمية؛ يبدوذلك من خلال السرعة الزمنية بين النداء والاستجابة له"فهبّ خفيف الروح"والتعبير هنا يزاوج بين الحركة المادية والحركة النفسية؛ فخفة الروح تشيع علاقة من الألفة بين الحدث وشخوصه، والبيت كله يكسر ما يتحرج المحافظون من كسره ،هكذا يتجاوز الغزال كل تحرج ويكشف كل كتمان. وسوف يمضي الشاعر نحوحركة أخرى لينموالحدث داخل النص"أذقنيها"وإذ يذوقها فإنه لا يصف لنا طعمها أو لونها؛ الحديث عن الطعم واللون نجده عند المحافظين المتحرجين، وكأنهم يهربون إلى الحديث عن الطعم واللون حرجا من الحديث عن الأثر. الغزال يكاشفنا بأثر الشراب دون حرج في تصوير نفسه في لحظة النشوة التي تذهب الحس بالحرج من الآخر، يحدثنا عن حضور الغياب، ليتخلع من داخله الحس بالآخر الاجتماعي المعبر عنه بإلقاء ملابسه للنادل، ثم يستعير ما يستره، الفعل ونقيضه؛ الغياب والحضور، إلقاء الملابس واستعارتها، النشوة والإفاقة منها، غيبة الوعي وعودته، كل ذلك يجسده في النص مسقطا كل رصانة ووقار في لغة بسيطة لا تتحرج من المكاشفة والعري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت