فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 457

الخروج عن الرزانة والرصانة والوقار، ليس علامة عبث فردي أو تمرد آني، إنه يعني أن الرقابة الاجتماعية أخذت تفقد نسبة من دورها، تحت وطأة المجتمع الجديد الذي يملك إمكانية تجاوز مذاهب القدماء وتحرجاتهم؛ لأن القديم لم يعد مقدسا، وهذا دليل يعكس في عمقه أن رحلة التجانس بين الطوائف المختلفة قد بدأت طريقها وقطعت شوطا فيه كبيرا، فلم يعد العرب وحدهم الذين يحددون تقاليد الناس ومذاهب حياتهم. امتزجت سلطة الذوق العربي البدوي المحافظ بسلطة الطوائف الأخرى حتى لم يُعْهَد المحدّد للأشياء سلطة واحدة بل سلطات متعددة؛ لا في سياق صراعيّ يمضي إلى اختلاف إنما في سياق تآلفي يمضي باتجاه صياغة ذوق عام هو دليل جدل أذواق، لينشرخ السائد لصالح ما ينبغي أن يسود. فالغزال في انكشاف لغته على موضوعها، يتواءم مع الجديد في الحياة، وهوجديد ليس خارجه بل فيه.

بل وأكثر من ذلك، فقد صار للناس مذاهب عدة، وفنون شتى في معاقرة الخمر واعتبارها مذهبا حياتيا لا يجوز الحياد عنه، فها هو ذا ابن خفاجة، قد سنّ لنفسه مذهبا خاصا وطريقا في العيش جسّده في قوله:

وما الأُنْسُ إلاّ في مجَاجِ زُجَاجَـ

ة ولا العَيْشُ إلاّ في حرير سَرِير [1]

فلا حياة خارج عنق زجاجة الخمر ولا سعادة بعيدا عن سرير الخلاعة والمجون، فذلك أضحى دستور حياة:

لا تُعيَّنْ لنَا مكانًا ولَكِنْ

حيثُما مالتِ اللَّواحظُ مِلْنَا [2]

(1) - ابن خفاجة: الديوان، تحقيق السيد مصطفى غازي، (دار المعارف بالإسكندرية) ،1960،

ص 181

(2) - ابن سعيد: المغرب في حلي المغرب، تحقيق شوقي ضيف، (دار المعارف بمصر) ، 2/168

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت