فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 457

هكذا وعى هؤلاء الشعراء مرارة واقعهم، فجسدوه بكل تناقضاته وفساده وحللوا أسباب ذلك، وتنبأوا بتهاويه، فضلا عن أنهم حاولوا جادين من أجل تغييره إلى الأصلح. لا يمتلكون في ذلك غير الكلمة، الكلمة العنيفة، الثائرة المتمردة. ولكنها كانت في الأخير كلمة عاجزة؛ لم تفد في مجتمع مختلط الأجناس متنوع المشارب والاتجاهات، أبطرت النعمة بعض أفراده وأفسدت أنفسهم، وأكلت ديدان العبث والمجون لحومهم، ونخر سوس التهاون عظامهم، فسقطت الأندلس في أيدي أعدائهم.

لقد وعى هؤلاء الشعراء [1] ، رسالتهم الإنسانية في المجتمع فجاءت أشعارهم ليس تجسيدًا لنزعة ذاتية أو تعبيرا عن أسى فردي، بل جاءت تعبيرا عن الهمّ الشعوري للإنسان الأندلسي وإيحاء بكل أطراف الأزمة التي يعانيها الفرد في ظل هذا المجتمع، وعرضا لقضايا تخص عددا كبيرا من الناس، وتصوير لطبائع شتى ومآسي عدة، وبهذا يكونون قد أدركوا الوضع الإنساني العام إدراكا جدليا؛ يقابل ما بين المثل المنشودة والواقع اللا متجانس، ومن أجل ذلك وقف شعرهم كصورة جدلية تشهد حقل التباري بين القيمة الوقائعية السائدة المفروضة والقيمة المنشودة، بين الذات في فطرتها والذات التي أفسدتها الحضارة وأعمتها الشهوات فأصبحت خائرة القوى مستسلمة العزيمة.

(1) - نقصد الجادّين منهم لا العابثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت