فهرس الكتاب
هكذا صور هؤلاء الشعراء مدنهم، وبينوا مآسي الفرد واغترابه فيها، وثاروا وتمردوا على القيم التي تسودها وهاجموها، ولم يقعوا في الأفخاخ التي نصبها الحكام للناس من اجل اشغالهم عن الخوض في أمور السياسة والحكم؛ عن طريق إطلاق العنان للإباحية والمجون والتهتك، بالإضافة إلى الاغراءات المادية وأحيانا القهر والتعذيب والقتل. لم يسيروا في ذلك الخط لأنهم أدركوا أن أفدح ما يمنى به الإنسان، هو افتقاده لذاته ورهنها لغيره، وأن اخطر ما يقع فيه الشاعر صاحب الرسالة الإنسانية، هو"السقوط في صيغ الطمأنينة ومهادنة الأشياء التي تحيط به، والشاعر الذي لا يعرف قشعريرة الصدام مع العالم يتحول إلى حيوان أليف اُستؤصلت منه غدد الرفض والمعارضة" [1] ، وأصبح دون وعي منه مستلبا سياسيا واجتماعيا ونفسيا، مغرّبا عن ذاته وعن الآخرين، لا يتكلم لغته ولا يعبر عن أفكاره، بل هو مجرد بوق أو آلة تتحرك متى أريد لها ذلك.
أما في عصر الضعف فلم تكن هناك أشعار ذات أهمية، فكل ما في الأمر أن الشعراء تركوا المواضيع الجادة والجليلة، وراحوا يصورون ويصفون أشياء تافهة مثل: الدّواة والذبابة والمخدّة وما شابهها ... وهذا نتيجة لليأس الذي أطبق على النفوس، ونتيجة للظلم والقهر الذي سُلط عليها من طرف الحكام الأعاجم الذين حكموا البلاد العربية، وعاثوا فيها فسادا، وجعلوا التركية لغة رسمية بدلا من العربية...
وبعيدا عن الشعر وموقفه من اثر المدنية والحضارة التي مسّت الحياة العربية فغيّرتها جزئيا أو كليا، وفي صميم العقل والفكر الموضوعي الممنطق، وقريبا من الأندلس، لا يجمل بنا إلا أن نقف وقفة قصيرة مع العالم الاجتماعي ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة لنتلمّس من خلالها مفاصل نظرته إلى المدينة: في تكوينها وأخلاقها وتطوّرها وعمرانها، ثم انهيارها.
(1) - د/ عبد العزيز المقالح، الشعر: بين الرؤية والتشكيل، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط2، 1985، ص 165.