الصفحة 59 من 108

وفي ظهور ابن سبأ في الشام يقابلنا في الطبري نصان يعطى كل واحد منهما مفهوما معينا.

فيفيد النص الأول: أن ابن سبأ لقي أبا ذر بالشام سنة 30هـ، وأنه هو الذي هيجه على معاوية حينما قال له: ألا تعجب إلى معاوية! يقول المال مال الله، كأنه يريد أن يحتجزه لنفسه دون المسلمين؟ وأن أبا ذر ذهب إلى معاوية وأنكر ذلك [1] .

بينما يفهم من النص الآخر: أن ابن سبأ لم يكن له دور يذكر فيه الشام، وإنما أخرجه أهلها حتى أتى مصر [2] ، وبناء على النص الأول فهناك رأي يقول: أن ابن سبأ كان له دور واضح في الشام، وأنه هو الذي زرع الفتنة، وحرك على معاوية صحابيا جليلا أذعن عامة الشاميين لأقواله، وضاق به ذرعا معاوية الحليم، وأخيرا ألب الفقراء على الأغنياء، كل ذلك كان بتأثير ابن سبأ ذلك الرجل الذكي وصاحب الفراسة الصادقة! [3] .

وعلى فرض صحة هذا الرأي فإن أقرب توجيه للنصوص هو أن يكون ابن سبأ قد دخل الشام مرتين, كانت الأولى سنة 30هـ, وهي التي التقى فيها بأبي ذر وكانت الثانية بعد إخراجه من الكوفة سنة 33هـ, وهي التي لم يستطع التأثير فيها مطلقا, ولعلها هي المعنية بالنص الثاني عند الطبري.

*ابن سبأ في مصر:

كان ظهور ابن سبأ في مصر بعد خروجه من الكوفة: وفي مصر اختيار ابن سبأ النهج الذي يساعده على الظهور, وقبل هذا اختيار العصبة التي ينزل عليها حتى يأمن العثور, فلقد اعتمد على بعض أبناء وجهاء القبائل اليمنية النازلة بمصر, أمثال: الغافقي بن حرب العكي وسودان بن حمران السكونى [4] .

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر السابق 4/ 340.

(3) سعدي الأفغاني: عائشة والسياسة ص61، 62، وهو يرد على الطبري قوله: (( إنه لم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام ) )بتأثير ابن سبأ على أبي ذر في الشام.

(4) ابن العربي: العواصم من القواصم (( حاشية محب الدين الخطيب ) )112، 113، وانظر عمار الطالبي: آراء الخوارج 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت