الصفحة 75 من 108

وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود [1] واليا لعمر على أموال الكوفة, وسعد ابن أبى وقاص واليا على صلاتها وحربها, فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد فعزل عثمان سعدا وأبقى ابن مسعود. وإلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو, فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته, كان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به, وكان يود أيضا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى, فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين:

أما في اختيار عثمان زيد بن ثابت [2] لكتابة المصحف الموحد, فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبى بكر, بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت في البداية, لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلوات الله عليه قبل وفاته, فكان عثمان على حق في هذا, وهو يعلم كما يعلم سائر الصحابة مكانة ابن مسعود وعلمه وصدق إيمانه, ثم إن عثمان كان على حق أيضا في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود, لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة, وكان جمهور الصحابة في ذلك مع عثمان على ابن مسعود, وعلى كل حال فإن عثمان لم يمنعه عطاءه, وبقى يعرف

(1) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي الزهري، أسلم قديمًا، أول من جهر بالقرآن بمكة، هاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما شهد اليرموك، سيّره عمر بن الخطاب إلى الكوفة، ثم أرسل إليه عثمان يستقدمه إلى المدينة. ومات بها عام 32 هـ ودفن بالبقيع. ابن الأثير: أسد الغابة 3/ 284 - 390.

(2) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجى ثم البخاري، كان عمره عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سنة. استصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فرده وشهد أحدًا. وقيل: لم يشهدها وكانت أول مشاهده الخندق. هو من كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. أمره النبي بتعلم السريانية، فتعلمها. وكتب بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر، استخلف عمر زيدًا على المدينة ثلاث مرات، وكان عثمان يستخلفه أيضًا. لم يشهد مع علي شيئًا من حروبه. اختلف في سنة وفاته. فقيل: 42 هـ. وقيل: 43 هـ، وقيل: 51 هـ، وقيل: 52 هـ 4 وقيل: 55 هـ. قال عنه أبو هريرة عند وفاته: اليوم مات حبر هذه ا لأمة. ابن الأثير: أسد الغابة 2/ 278، 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت