الصفحة 78 من 108

ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما وأن حاجة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل، وفي زمن عمر اتسع الحمى- سرف والربذة- وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعي هنيا.

وكما اتسع عمر في الحمى عما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لزيادة سوائم بيت المال في زمنه، اتسع عثمان بعد ذلك لاتساع الدولة وازدياد الفتوح، فالذي أجازه النبي صلى الله عليه وسلم لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان، ويكون الاعتراض عليه اعتراضا على أمر داخل في التشريع الإسلامي، ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة، أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها، لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا، وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين.

-المأخذ الخامس: إنه أجلى أبا ذر [1] إلى الربذة [2] :

(1) التعريف بأبي ذر: اسمه جندب بن جنادة أ مسند الإمام أحمد 5/ 144 - ابن سعد: الطبقات 4/ 219 - الطبري: تاريخ ا لأمم والملوك 4/ 222،. كان قبل ا لإسلام رجلًا شجاعًا، ينفرد وحده، ويقطع الطريق كأنه السبع، قذف في قلبه الإسلام [ابن سعد: المصدر السابق 4/ 222] ، فكان خامسًا في الإسلام ثم انصرفت إلى بلاد قومه وأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم تبعه أبو ذر إلى المدينة [الذهبي: تاريخ ا لإسلام 1406] .

ومن صفاته الجسدية أنه كان آدمًا جسيمًا، كث اللحية، وعن مكانته الإيمانية كان يوازي ابن مسعود في العلم والفضل، وكان زاهدًا أمارًا بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم [الذهبي المصدر السبق 406] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبى ذر، [ابن سعد: المصدر السابق نفس الجزء 228 - -لحاكم في المستدرك 3/ 342 - مسند الإمام أحمد في الزهد 184] وعن علي رضي الله عنه أنه سئل عن أبى ذر فقال: هو على علم عجز الناس عنه، ثم أوكى [أوكى: بخل- المعجم الوسيط 2/ 1055] ، عليه، فلم يخرج منه شيئًاُ [ابن سعد: المصدر السابق نفس الجزء 232] ."

بشارة النبي له، لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان فيقول: (( دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر، فقال: ما كان يقوله، فتلوم عليه بعيره، فلما أبط عليه أخذ أبو ذر متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله ماشيًا، ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا لرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كن أبا ذر ) )فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال: (يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويحشر وحده ) ) [الذهبي: المصدر السابق 407]

وعن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم له قوله صلى الله عليه وسلم: (( أمرت بحب أربعة لأن الله يحبهم: علي، وأبى ذر، وسلمان، والمقداد) [مسند ا لإمام أحمد 5/ 351]

نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم له: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم ) ) [ابن سعد: المصدر السابق نفس الجزء231 - صحيح مسلم في باب كراهية الإمارة بغير ضرورة 1826 - مسند ا لإمام أحمد 5/ 180]

(2) الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال منها قريبة من ذات عرق- البغدادي: مراصد الإطلاع 2/ 601.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت