لفضيلة الشيخ: محفوظ ولد الوالد
(أبو حفص الموريتاني)
هُوَ الدَّهْرُ وَالأقْدَارُ يَجْرِي بِهَا الدَّهْرُ ... فَمَا لاِمْرِئٍ نَهْيٌ عَلَى الدَّهْرَ أَوأَمْرُ
فَصَبرا وَلاَ تَجْزَع لمَا فَعَلَ القضَا ... وَإِن جَلَّ خَطْبُ الدَّهْرِ وَاسْتَفْظَعَ الأَمْرُ
إِذَا حَلَّ عُسْرٌ فَاصْبِرَن لِزَوَالِهِ ... فَإِنَّ جَمِيلَ الصَّبْرِ يَتْبَعُهُ اليُسْرُ
وَإِن لمْ تُطِقْ صَبْرًا بِأَوَّلِ صَدْمَةٍ ... تَصَبَّرْ فَإِنَّ الصَّبْرَ يَاتِي بِهِ الصَّبْرُ
تَصَبَّرْ وَلَوْ أَنَّ الَّذِي عَالَ صَبْرُهُ ... مُصَابُكَ هَذَا قَدْ يَكُونُ لَهُ عُذْرُ
مُصَابٌ بِهِ هَانَتْ مَصَائِبُ أُمَّةٍ ... على عتبات الكُفِْر يَنْحَرُهَا الكُفْرُ
مُصَابٌ بِمَن مِن فَقْدِهِم تَذْرِفُ السَّمَا ... وَتَنتَحِبُ الأَرْضُونَ وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ
كَأَنَّ الْمَنَايَا إِذْ تَغِيرُ وَتَنتَقِي ... لَدَيْهَا دَلِيلٌ بَيْنَنَا وَلَهَا وَتْرُ
فَسُبْحَانَ مَن أَغْرَى الْمَنَايَا بِأَهْلِهَا ... كَأَنَّ لَهَا ثَأرًا وَلَيْسَ لَهَا ثَأرُ
لِيَخْتَارَ مَن يَخْتَارُ مِنْهُمْ وَيَصْطَفِي ... لَهُ الْحِكْمَةُ الْعُلْيَا لَهُ النَّهْيُ وَالأَمْرُ
تَوَخَّى الرَّدَى فَاخْتَارَ فِي النَّاسِ وَانتَقَى ... خِيَارًا كِرَامًا مِثْلَمَا يُنتَقَى التِّبْرُ
عَصَائِبُ نُزَّاعٌ مِنَ الأَرْضِ كُلِّهَا ... يُوَحِّدُهُمْ دِينٌ وَيَجْمَعُهُمْ فِكْرُ
تُوَحِّدُهُمْ فِي الله أَقْوَى عَقِيدَةٍ ... وَلاَ نَسَبٌ غَيْرُ الْعَقِيدَةِ أَو صِهْرُ
فَمَا جَمَعَتْهُمْ فِي الأُصُولِ قَبِيلَةٌ ... وَمَا ضَمَّهُمْ حَيٌّ وَلَمْ يَحْوِهِمْ قُطْرُ
دَعَتْهُمْ ثُغُورُ العِزِّ مِن كُلِّ مَوْطِنٍ ... فَطَارُوا سِرَاعًا مَا لَهُم دُونَهَا صَبْرُ
ثُبَاتٍ ووحْدَانًا منَ الأَرضِ كُلهَا ... يُوَحِّدُهُمْ هَمٌّ وَأَوْطَانُهُمْ كُثْرُ
نَفَى عَنْهُمُ هَمّ التَّنَعُّمِ هَمُّهُم ... فَأَبدَانهُم شُعْثٌ وَأَثْوَابُهُمْ غُبْرُ
نِحَافًا وَسُمْرا كَالرِّمَاحِ تَرَاهُمُ ... وَتُحمَدُ عِندَ الطَّعْنِ شُعْثُ القَنَى السُّمْرُ
وَيُحْمَدُ فِي الْعَضْبِ البِلَى وَهوَ قَاطِعٌ ... وَيَحْسُنُ فٍي الخَيلِ المُسَومَةِ الضُّمْرُ
مَضَوْا يَشْرَبُونَ المَوْتَ كَأسًا شَهِيةً ... ولَو أَنَّ طَعْمَ المَوتِ مُسْتَثقَلٌ مُرُّ
وَلكِن فِي ذَاتِ الإلَهِ وَدِينِهِ ... لِمَن أُشْرِبَ الإيمَانَ يُسْتَعْذَبُ الصّبْرُ
أَبَوْا أَن يَعِيشُوا كَالعَبِيدِ بِعَالَمٍ ... تَحَكَّمَ فِيهِ الظُّلْمُ وَاسْتَحْكَمَ الكُفْرُ
فليسَت تُطيقُ الضَّيْمَ نَفسٌ أبِيةٌ ... ولا يَقبَلُ الإذلالَ في دِينِهِ حُرُّ
ففي الأرضِ منأى للكَريمِ عنِ الأذَى ... وفي الموتِ منأى عَنْهُ إن لَزِمَ الأمرُ
فَمَا عَاشَ مَن عَاشَ الْحَيَاةَ بِذِلَّةٍ ... وَلَوْ طَالَ ذَاكَ الْعَيْشُ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ