الصفحة 4 من 10

ثم كان للصوفية نصيب من هذا الإخصاب: إذ تعانق مع الفكر الإرجائي انحراف مفهومي ( العبادة ) و ( القضاء والقدر ) عند المتصوفة ، حيث تحول مفهوم الزهد الإيجابي الذي كان عليه السلف على يد المتصوفة إلى سلوك انسحابي أخذ شكل التفرغ - للعبادة - في مسجد أو زاوية أو خلوة أو حتى كهف . وأما من انصرف إلى معالجة شئون الدنيا فقد كان ينظر إليه عند هؤلاء على أنه انصرف عن العبادة ، وكما رأينا اضطراب العلاقة بين العقل والنقل عند المعتزلة الذي تطور لاحقا عند ( التنويريين ) إلى اضطراب في العلاقة بين العلم والدين نجد هنا - على يد المتصوفة - علاقة متنافرة غريبة بين الدين والدنيا أو بين الآخرة والدنيا ، فمن أراد الدين والآخرة فله المسجد لا شأن له بالدنيا ، فلمن ترك هذه الدنيا ؟! يتصدى لها أهل الفساد والانحراف ولا يكون ذلك مستهجنا ، كما لا يكون مستغربا أن ينظموا هذه الدنيا بمنأى عن الدين الذي ترك في خلوات العبادة وحلقات الفقه وفي قول أو شعائر يؤديها الفرد المسلم بل يتم التسليم بذلك الانحراف على أنه قضاء وقدر .

أضف إلى ذلك:- إن ما روجه الصوفية عن الفرق بين الحقيقة والشريعة كان بابا واسعا للانسلاخ من الشرع والتفلت من الدين تحت مظلة ادعاء ( الولاية ) وقد كان هذا المفهوم مطية لتأويلات عديدة غير منضبطة بأصول شرعية أو لغوية أو عقلية .

ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في إخصاب الأرضية التي قامت عليها العلمانية: - الفصل الحاد بين ( العبادات ) و ( المعاملات ) الذي اقتضته ( الأصول الفنية ) للمنهجية العلمية التي قامت عليها الكتب الفقهية المتأخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت