( وحاول بعض المستشرقين أن يصلوا بين نشوء النحو في البصرة والنحو السرياني واليوناني والهندي غير انه لا يمكن إثبات شيء من ذلك إثباتا علميًا ، وخاصة أن النحو العربي يدور على نظرية العمل وهي لا توجد في أي نحو أجنبي .
وكل ما يمكن أن يقال انه ربما عرف نحاة البصرة الأولون أن لبعض اللغات الأجنبية نحوًا فحاولوا أن يضعوا نحوًا للعربية راجعين في ذلك إلى ملكاتهم العقلية التي كانت قد رقيت رقيًا بعيدًا بتأثير ما وقفوا عليه من الثقافات الأجنبية وخاصة الفلسفة اليونانية ، وما يتصل بها من المنطق ، مما دعم عقولهم دعمًا قويًا ، وجعلها مستعدة لأن تستنبط قواعد النحو وعلله وأقيسته ) .
ونحن حين نؤرخ للدراسات النحوية في البصرة إنما نؤرخ لنشأة تلك العلوم والدراسات فيها عند العرب ، لأن البصرة هي المدينة الأولى التي اقترن بها اسم هذا العلم ، وفيها أصلت قواعده ومنها خرجت إحكامه ، ونقلت إلى الكوفة وغيرها من الأمصار الإسلامية ، حملها تلامذة علماء البصرة وأشاعوها في بلدانهم لنهم وجدوا ( حاجه اجتماعيه وحضاريه إلى تعلم قواعد هذه اللغة للقراءة والكتابة فيها بصوره صحيحة ثم لتعلم لغة أصحاب الدين الجديد لمعرفة كتابهم المقدس . ) (57) .
والعرب شأنهم شأن أي امة من الأمم لهم تاريخهم وحضارتهم التي شهدت مولد علومهم ، وأسس رقيهم وتقدمهم ، ومن تلك العلوم النحو العربي الذي حفظ كلامهم وصان لسانهم من الخطأ ومن الزلل ، بفعل ما انتظمه من قواعد وأحكام ، تمامًا كما فعلت الأمم من قبلهم ومن بعدهم . وكلنا لا نعلم بالضبط مقدار الاتصال وسبيله .
وما تم من تقليد وقواعد الأمم التي سبقتهم .
فما قدم من قبل المستشرقين وبعض العرب لا يقطع بأمور التقليد ، كما لا يجزم بالإبداع والابتكار ، ونحن لا ننكر هذا ولا ذاك ، وكذا نقول: إن هناك تشابهًا في مرويان المؤرخين عن أسباب نشأة النحو بين العرب غيرهم .