الصفحة 49 من 96

في حديثه عمّا أُلحق بـ (ليس) من الحروف ذكر السيوطي أن"الحرف إن اختص بما دخل عليه ولم ينزل منزلة الجزء منه عمل فيه، فإن لم يختص أو اختص، ولكن تنزّل منزلة الجزء منه لم يعمل فيه؛ لأن جزء الشيء لا يعمل في الشيء. و (ما) من قبيل غير المختص، ولها شبهان (1) : أحدهما هذا، وهو عام فيما لا يعمل من الحروف، وراعاه بنو تميم، فلم يعملوها. والثاني خاص وهو شبهها بـ (ليس) في كونها للنفي وداخلة على المبتدأ والخبر، وتخلص المحتمل للحال، كما أن (ليس) كذلك، وراعى هذا الشبه أهل الحجاز فأعملوها عملها فرفعوا بها المبتدأ اسما لها ونصبوا بها الخبر خبرا لها، قال تعالى: (ما هذا بشرا) " (2)

(1) عقد ابن جني بابا أسماه (تعارض العلل) ومما تناول فيه (ما النافية) وإعمالها عند الحجازيين وإهمالها عند التميميين، وأوضح أن علة الإعمال شبهها بـ (ليس) في النفي، وعلة الإهمال شبهها بـ (هل) ونحوها من الحروف الداخلة على الجمل لمعانٍ ولا تعمل فيها؛ ولذا فهي عند سيبويه أقوى قياسا من لغة الحجازيين. (الخصائص 1/166: 167)

(2) انظر: الهمع 2/109: 110 وفي الصفحات اللاحقة من الهمع ذكر السيوطي شروط عمل (ما) عمل (ليس) عند الحجازيين، ولا داعي لذكرها هنا. وللباحث هنا تعليقان: أحدهما حول مقالة السيوطي: إن (بني تميم راعوا كذا وأن الحجازيين راعوا كذا) ؛ هذا الأمر هو تصور من النحاة لتبرير ما انتهوا إليه من قواعد، لأن ابن اللغة حينما يتكلم إنما يتكلم بسليقة دون مراعاة لشيء ما من إعمال أو إهمال أو شبه أو ثقل أو خفة أو غير ذلك مما يتصوره النحاة تبريرا لقواعدهم؛ ومن ثم فهذا التصور غير مقبول. والثاني أن بعض النحاة يرون أن (ما) الحجازية لا تعمل فيما بعدها، وأن المرفوع باق على حاله قبل دخولها، وأن المنصوب حدث له النصب من أثر إسقاط الباء في مثل: (ما هذا بشرا) ، يقول الفراء (معاني القرآن 2/42) : نصبت (بشرا) ؛ لأن الباء استعملت فيه، فلا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء، فلما حذفوها أحبوا أن يكون أثرها فيما خرجت منه فنصبوا على ذلك، أما أهل نجد فيتكلمون بالباء وغير الباء، فإذا أسقطوا رفعوا، وهو أقوى الوجهين في العربية. وذكر ابن هشام (مغني اللبيب 4/42) أن الحجازيين والنجديين والتهاميين يعملون (ما) عمل (ليس) ، وذكر أن عاصما قرأ (ما هنّ أمهاتُهم) على اللغة التميمية. وهذه القراءة لم ترو عن عاصم في رواية حفص ولا رواية أبي بكر، وهما الروايتان المتواترتان. ولم ترد هذه القراءة عند الدمياطي في الإتحاف ولا عند العكبري في إعراب الشواذ، وإنما ذكر الألوسي (روح المعاني 28/281) أنها رواية المفضل عن عاصم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت