فهرس الكتاب
ثم انتقل مباشرة إلى (أن) قائلا:"تخفف (أنّ) المفتوحة، وفي إعمالها حينئذ مذاهب: أحدها أنها لا تعمل شيئا لا في ظاهر ولا في مضمر، وتكون حرفا مصدريا مهملا كسائر الحروف المصدرية .. والثاني أنها تعمل في المضمر وفي الظاهر نحو (علمت أنْ زيدا قائم) ، وقرئ (أنْ غضَبَ اللهِ عليه) (1) ، والثالث أنها تعمل جوازا في مضمر لا في ظاهر، وعليه الجمهور (2) ."
ثم انتقل السيوطي إلى (كأن) قائلا:"تخفف (كأنّ) وفي إعمالها الأقوال الثلاثة في (أنْ) : أحدها المنع، والثاني الجواز مطلقا في المضمر والبارز كقوله:"
ويوما توافينا بوجه مقسّمٍ كأنْ ظِبْيةً تعْطو إلى واق السلم
وقوله:
وصدرٍ مشرقِ النحرِ كأنْ ثدييهِ حُقّان
في رواية النصب فيهما، والثالث الجواز في المضمر لا في البارز.." (3) "
ويلاحظ الباحث أن السيوطي لم ينسب الإعمال ـ أو الإهمال ـ في (أنْ وكأنْ) لأي قبيلة، ولم يذكر أية عبارة ـ من عباراته التي عوّدنا ذكرها ـ تشير إلى أن الإعمال أو الإهمال لهجة من لهجات العرب، وإنما أشار إلى ذلك بطريق غير مباشر، وذلك في حديثه عن (لكنْ) المخففة؛ حيث قال:"تخفف (لكن) ، فلا تعمل أصلا؛ لعدم سماعه" (4) ، فكونه ينصّ على أن عدم السماع هو السبب في نفي الإعمال في (لكن) المخففة يعطينا الحق في الرأي بأن الإعمال في (إنْ وكأنْ) المخففتين مرجعه تباين اللهجات العربية، فثمة لهجة تُعمل وأخرى تُهمل، وإن لم ينسب هو إحدى اللهجتين أو كليهما إلى قبائل بعينها، وهذا الأمر ليس بدعا من السيوطي، بل هو سمة من سمات منهجه في ردّ بعض القواعد النحوية إلى اللهجات العربية.
(1) النور 9 وهذه القراءة بتخفيف (أن) ونصب (غضب) وجر لفظ الجلالة لا أدري من أين استقاها السيوطي، فلم أجدها في تفسير الطبري ولا في تفسير الألوسي ولا في إعراب القراءات الشواذ للعكبري ولا في إتحاف فضلاء البشر للبنا الدمياطي.
(2) انظر: الهمع 2/184: 185
(3) انظر: الهمع 2/187: 188
(4) انظر: الهمع 2/188