فهرس الكتاب
أما الآن فقد كثرت الجامعات، وطلابها بالملايين، وللشعوب الإسلامية سفراء، وبعضها تبعث الدعاة، ومع ذلك نجد التأثير اليوم أقل بكثير من التأثير بالأمس، ويكاد يكون شبه معدوم في بعض البلدان. [راجع فيما مضى المبحث الخامس من الفصل الأول من الباب الثاني] .
وهناك سر آخر جعل علماء المساجد وأئمتها وطلابها، ينشرون العلم في كل مكان استطاعوا الوصول إليه، ويؤثرون في الناس ذلك التأثير، حتى أصبح التجار يدعون الناس بأخلاقهم الإسلامية، ولو لم يتكلموا بألسنتهم، هذا السر هو أن العلم والإيمان لم يكونا يفترقان عند العالم والمتعلم، بل كان المقصود من التعلم هو الإيمان والعمل الصالح اللذين يقربان صاحبهما إلى الله تعالى، ويوصلانه إلى رضاه.
ولهذا يبدأ العالم مع طلابه بالكلام على الإخلاص وحسن النية والتجرد إلى الله تعالى، وترك مطامع الدنيا ومراءاة الناس، وإذا صنف أحدهم كتابًا بدأه بالآيات والأحاديث المتعلقة بهذا الباب. [كما هو الحال في رياض الصالحين، والأربعين النووية، للإمام النووي رحمه الله] .
وأول حديث بدأ به الإمام البخاري كتابَه الصحيحَ، هو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) [صحيح البخاري (1/3) وصحيح مسلم (3/1515) ] .
إشارة منه، رحمه الله إلى هذا المعنى، ليكون طالب العلم محققًا صدق نيته لربه سبحانه وتعالى، ثم ساق بعد ذلك أحاديث الوحي التي أصل الباب موضوع لها، ثم اتبع ذلك بكتاب الإيمان، وساق نصوصه في أبوابه المتنوعة، ثم اتبعه بباب العلم، فالعلم عند سلفنا الصالح: علماء المساجد وطلابها، كان المقصود به الإيمان وتربية النفوس عل طاعة الله وترك معصيته، ولذلك أثروا ذلك التأثير العجيب في العالم بعلمهم وإيمانهم وعملهم.