فهرس الكتاب
إن كثيرًا من الناس الحريصين على مصالح الأمة وهداها، إذا تحدثوا عن أي مؤسسة من المؤسسات التي لها تأثير على التعليم والتثقيف والتربية، أو لها سلطة تستطيع أن توجه الناس بها بالقوة، حملوا تلك المؤسسة كل السلبيات الموجودة في الأمة، وفرضوا عليها أن تقوم بكل ما يصلح الناس، وأن توجد كل الحلول لكل المشكلات.
وهذا الاتجاه ناتج عن حُسن نية وحرص على مصالح الأمة، ولكنه اتجاه تنقصه النظرة الشاملة إلى جميع المؤسسات المؤثرة في الأمة، لأن المؤسسات المؤثرة كثيرة، وهي إما أن تتعاون على البناء أو الهدم، وإما أن يبني بعضها ويهدم بعضها الآخر، وإما أن تبني المؤسسة الواحدة في جانب وتهدم في الجانب الآخر، وقد يغلب الهدم البناء، كما هي العادة وكما يقال: (ألف بان لهادم) .
لذلك قلبت النظر عندما اتصل بي بعض المسئولين في المركز العربي للدراسات الأمنية، يبلغني أنه وقع الاختيار عليَّ لأكتب بحثًا، موضوعه:"دور المسجد في علاج انحراف الأحداث".
وأخذت استعرض تأريخ المسجد ومكانته في الإسلام، والعاملين فيه، ووظائفه، وما قام به في التعليم والتربية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وما تلا ذلك، ثم أخذت أصوب النظر إلى مساجدنا الآن وما تقوم به، فكادت النظرة الجزئية والعاطفية الناقدة تغلبني، فأبدأ بمهاجمة العاملين في المسجد في هذه الأزمان، وأفصل القول في تقصيرهم، وتخليهم عن واجبهم، ولكن سرعان ما قفزت بذهني النظرة الشاملة، قائلة: وهل المسجد اليوم كالمسجد بالأمس، حتى نحمله المسئولية كاملة؟
ألا توجد مؤسسات أخرى زعمت أنها تقوم ببعض وظائفه؟ ألا ترى أن المسجد قد سُلِب صلاحياته التي كان يؤدى دوره بها في الماضي؟ ألا ترى أن مؤسسات أخرى قد أنشئت لعداء المسجد ومحاربة تأثيره؟ ما ذنب المسجد إذًا حتى نحمله ما هو من مسؤليات سواه في هذا العصر؟