فهرس الكتاب
ولا يظن ظان أن الباحث نسي أو جهل ذم الله ورسوله للشعر والشعراء، فهو على علم وذكر بذلك، فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة - الذي شهد لحسان بالثناء عليه - ذم الشعر، فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه ـ أي يصيبه بمرض في رئته ـ خير له من أن يمتليء شعرًا) . [البخاري (5/2279) ومسلم (4/1769) ] .
وروى حكيم بن حزام، رضي الله عنهما، قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود". [أبو داود (4/167) وقد ضعف الحديث بعض أهل العلم، انظر عون المعبود (12/129) ]
وأقول: إن الذي مدح الشعر وأذن للشعراء في الإنشاد في المسجد وخارجه، هو الذي ذم الشعر ونهى عن إنشاده في المسجد، فأي شعر أذن فيه، وأي شعر نهى عنه وذمه؟!
لابد أن يكون المضمون مختلفًا، فالممدوح هو الذي يقصد به نصر دين الله، والمذموم هو الشعر المعارض لدين الله، أو الذي يبالغ فيه حتى يلهي عن ذكره ولو كان مباحًا.
وإن القرآن الكريم، لهو الفيصل في هذا الأمر قال تعالى: (( والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) ) [الشعراء: 221ـ224] .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:"الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح" [نيل الأوطار (2/167) ]
وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله - وهو يتكلم على ما يظهر من تعارض بين الأحاديث الناهية عن إنشاد الشعر في المساجد والأحاديث الدالة على جواز إنشاده فيها - قال:"فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك". [الفتح (1/549) ] .