فهرس الكتاب
لقد بدأ الانحراف عن منهج الله من زمن طويل، وامتدت يد الإجرام من الأخ إلى أخيه من عهد آدم عليه السلام، حيث قتل أحدُ أبنائه الآخرَ، وكلما جاء عصر من العصور وكثر فيه الانحراف وكثر الإجرام، اهتم الناس - وبخاصة المفكرين منهم ودعاة الإصلاح على اختلاف اتجاهاتهم - بأسباب الانحراف اهتمامًا بالغًا، وذهبوا في اكتشاف تلك الأسباب كل مذهب، وهاموا في كل واد، ولكنهم لم يفلحوا، بل كثر تخبطهم، وناقضت نظرياتُ بعضهم نظرياتِ آخرين.
حتى في هذا العصر الذي يقال فيه: إن علوم الإنسان قد تقدمت تقدمًا مذهلًا، ومنها علم الإجرام، لم يقفوا على حقيقة الداء، ولم يشخصوه، حتى يضعوا العلاج الناجع لاستئصاله والتخفيف منه، والسبب في ذلك أنهم لم يسقطوا على الخبير به، بل طلبوه من غير أهله، وهم يظنون في كل نظرية تَجِدُّ أنهم على الخبير بها سقطوا، ثم يتضح لهم بعد ذلك أنهم على الجاهل بها وقعوا.
والذي يطلع على كتب علم الجريمة التي ملأت المكتبات في الآونة الأخيرة، يعلم علم اليقين أن القوم سلكوا لمعرفة سبب الجريمة غير سبيلها، وأتوا البيوت من غير أبوابها، ومما يدل على عدم وقوفهم على سبب الاستقامة وسبب الانحراف، ارتفاع نسبة الانحراف في كل البلدان عن نسبة الاستقامة فيها، إلا من هدى الله، وقليل ما هم.
فما سبب الاستقامة في الإسلام، وما أساس الانحراف فيه؟ للجواب على ذلك نقول: إن خالق الإنسان أعلم به، فالخالق أعلم بخلقه، وعلمه محيط بكل شيء، كما قال تعالى: (( وهو بكل شئ عليم ) ) [الحديد:3] .
وقال: (( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ) [الملك: 14] .
وهو أعلم بالمهتدي من الضال - ويعلم أسباب الهداية وأسباب الضلال - قال تعالى: (( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) ) [النجم: 30] .
وإذا كان الأمر كذلك فالواجب الرجوع إلى الخالق، لمعرفة أساس الاستقامة، وأساس الانحراف.