فهرس الكتاب
إذا كانت الأسرة هي أولى المؤسسات المربية للصغير، وتأثرُه بها أشد من تأثره بغيرها، لنشأته فيها، وطول مكثه بين أفرادها، حيث يرى ويسمع منهم أكثر مما يرى ويسمع من غيرهم، فإن للمدرسة- أيضًا - تأثيرها الشديد على الصغير، لأنها المؤسسة الثانية التي يقضي فيها وقتًا طويلًا من عمره، إذْ يقضي فيها أغلب أيام الأسبوع.
وهي مؤسسة متفرغة لتعليمه وتربيته، وإمكاناتها أكثر من إمكانات الأسرة، إذ يوجد بها منهج منظم، وفصول دراسية، يجتمع فيها ذوو الأعمار المتقاربة، ويوجد بها مدرسون أعدوا لهذا الغرض، وتوجد بها كتب ألفت لهذا الهدف، لهذا كانت المدرسة ذات أهمية بالغة في حياة الصغار، لأنها إذا وُفِّقَت في التعليم والتربية المفيدين، أنشأت مجموعة من البشر، يكون بعضهم لبعض جلساء خير وصلاح.
ولما كان الدارس يتردد على المدرسة يوميًا، ويعيش بين أفراد أسرته غالب وقته كل يوم، ويرافق زملاءه وأقرانه في أوقات أخرى للعب ونحوه، فإنه يكتسب من أفراد الأسرة أخلاقًا وعادات، ويتصف بصفات، ويتعلم في المدرسة العلوم التي أعدت له، ويرى في موظفي المدرسة ومعلميها أخلاقًا وآدابًا وصفات، قد تتفق مع أخلاق الأسرة وآدابها وصفاتها، وقد تختلف كما أنه يتدرب عمليًا على آداب وأخلاق وصفات أخرى مع أترابه وأقرانه، وقد تتضارب هذه مع تلك، وهنا تبرز أهمية اتصال المدرسة بالأسرة واتصال الأسرة بالمدرسة، لتَعلم كل مؤسسة ما عند الأخرى من أمور إيجابية، أو سلبية ليتم التعاون بين المؤسستين على تكميل الخير، وعلى محو الشر بالأساليب المتاحة لهما.
وينبغي أن لا يشعر الدارس بمتابعة المؤسستين له عن اتفاق، لأنه قد ينفر من ذلك، وبخاصة إذا كان التوجيه الصادر منهما ضد هواه ورغباته، فإذا تضافرت جهودهما في التوجيه دون أن يشعر بالاتفاق فقد يؤثر فيه ذلك، وليس هذا بشرط، بل قد يقتضي الأمر إشعاره باتفاقهما ومتابعتهما، ولكلا الأمرين مقامه المناسب.