فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 171

والشاب الذي ينشأ في أمة وضعت له أهدافًا هابطة، ووسائل تلائم تلك الأهداف، يُشْرَب قلبه حبَّ تلك الأهداف وتلك الوسائل، فيسلك سبيل أمته، في نطاق الهابطين وقد تشغله وقتًا من الزمن، ولكنه يسأمها ويحاول أن يحدد لنفسه أهدافًا غيرها، بوسائل أخرى، ثم يسأم تلك وهذه، فلا يجد أمامه إلا الانحراف الذي يجرفه إلى الهاوية، فيصبح الانحراف هو القاعدة، والاستقامة هي الاستثناء، والأمة المنحرفة تعد لقمة سائغة للأعداء، يهجمون عليها بقوة السلاح، ليحتلوا أرضها، ويستغلوا خيراتها، ويستعبدوا أبناءها، كما يشهد بذلك التاريخ وينطق به الكتاب العزيز: (( يَا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفِرُوا فِي سبِيلِ الله اثاقلتم إلى الأرْضَ أرَضِيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما مَتَاعُ الحياةِ الدنيَا في الآخِرَةِ إلا قليل إلا تنفروا يُعَذبكم عذابًا أليما ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) ) [التوبة: 38ـ39] .

وعذاب الله للأمة عندما تترك الجهاد في سبيل الله وتتوانى عن تنفيذ أمره بالنفير، ليس خاصا بعذاب الآخرة، بل يشمل -أيضا- عذاب الدنيا، بما يصيبها من الذل والانحطاط، وسيطرة عدوها على بلدانها وخيراتها، وجعلها تابعة مقودة، بدلا من كونها متبوعة قائدة، كما هو حالنا اليوم: اغتصبت بلداننا، قتل إخواننا رجالا ونساء، شيبا وشبانا، ودنست مقدساتنا، كما هو الحال في قبلتنا الأولى وما حوله، ولا توجد بلدة من بلدان المسلمين غير مهددة من أعدائها اليوم، إنه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.

فكما يعذب الله تعالى أعداءه بأيدينا، إذا قمنا بالجهاد في سبيله، فقد يعذبنا بأيدي أعدائنا، إذا تركنا الجهاد في سبيله، جزاء وفاقا، قال تعالى: (( قل هل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون) [التوبة (52) ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت