فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 171

قلت: إن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد أول قدومه المدينة، يدل على مكانة المسجد وأهميته في الإسلام، وأنه من مؤسسات الإسلام التي لا يستغني عنه المسلمون، لكن الذي يدل على مكانة المسجد، أكثر هو كون الرسول صلى الله عليه وسلم اكتفى ببنائه، للصلاة وغيرها من الشعائر التعبدية، وللوظائف الأخرى المتعلقة بسياسة الدولة بأكملها، كما سيأتي، فإن ذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قصد أن لا يفرق بين أداء الشعائر التعبدية، وغيرها من سياسة الدولة، ليُعَرِّفَ أمتَه أن الدين شامل لإقامة كل خير في هذه الأرض، وليس خاصًا بنوع معين من أنواع العبادة التي تؤدى للّه تعالى، ولولم يكن هذا المعنى مقصودا له صلى الله عليه وسلم، ولو كان المسجد خاصًا بأداء الشعائر الدينية المشهورة عند الناس، ولا يصلح إلا لها، لسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تخصيص مكان آخر لإدارة شئون الدولة فيه، وما الذي يعجزه عن ذلك، والأنصار يتسابقون بكل ما يملكون من أرض ليضعوها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم والمهاجرون يتسابقون في عمل ما يريد من بناء وغيره.

ولعل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك كان بأمر من ربه الذي يعلم أنه سيأتي بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، من أمته من يدعو إلى التفريق بين الدين والدنيا، والعبادة والسياسة، بين ما لله للّه وما لقيصر لقيصر، أراد أن يكتب جوابًا عمليًا في صفحات التاريخ للعلمانيين الذين يريدون أن يعتدوا على حكم الله، فيجعلونه ملكًا لهم ليرضوا أهواءهم، ويستعبدوا عباد الله من دونه، لغياب حكمه الذي فرضه على عباده.

هذا هو الأساس الأول الذي أقام الرسول صلى الله عليه وسلم دولته عليه.

أما الركن الثاني من أركان إقامة الدولة في المدينة، فكان المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، الذين كان يجمعهم المسجد للعبادة والتشاور والجهاد وغيرها. [يراجع زاد المعاد لابن القيم (3/63) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت