فهرس الكتاب
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، يعلم أصحابه في مكة في المنازل وخُصت دار الأرقم ابن أبي الأرقم لتجمعهم، ولم يكن المسجد الحرام ينال حظه من التْعليم والتزكية، لصد المشركين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له، فكان يدعو فيه ويصبر على أذاهم، فلما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبنى مسجده الشريف، بنى حجرات نسائه بجانبه، ليكون قريبًا منه، فكان ينزل عليه الوحي في المسجد أو في بيته، وهو يتلوه - على أصحابه في مسجده ويعلمهم معناه، كما كان يعلمهم الوحي الثاني، وهي السنة، وكان تعليمه لهم بالقول وبالفعل.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى حكمة تنزيل الوحي مفرقًا على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهى أن يعلمهم ما يلزمهم من أحكام دينهم على مَهَل وتؤدة، ليرافق العلمَ العملُ، بخلاف ما إذا نزل دفعة واحدة، فإن تكليفهم كل ما فيه من إيمان وعمل، وفروع أحكام كالجهاد، قد يشق عليهم، قال تعالى: (وقرآنًا فَرقناهُ لتقرأهُ على النَّاس عَلَى مُكْثٍ، وَنزَّلْنَاهْ تنْزِيلا) [الإسراء: 106] .
وقد سبق أن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو على الناس القرآن، ويعلمهم هديه وسنته، ليخرجهم من الظُلمات إلى النور، ويطهرهم من دنس الفواحش والآثام، كما قال تعالى: (لَقَد مَنَّ الله عَلى الْمُؤمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة: 2] .