النوع الثالث: هو ما يكون إيقاعه بقصد العقوبة لمن فعل شيئًا مما يجب فيه حد أو تعزير, كمن ضرب شخصًا فآذاه، فإنه يحق للمضروب أن ينتصر لنفسه، أو من أوقع جناية على أخيه فأذهب نفسه، أو أذهب طرفًا، أو جرح جرحًا، فإنه يُشرع لولي الدم القصاص، وللمجني عليه في طرف أو جرح أن يقتص لنفسه, فيوقِعُ ضررًا على من جنى عليه، لكن هذا الضرر في مقابلة ضرر أوقعه عليه ابتداء الجاني، وكذلك من سرق شيئًا أقيم عليه حد القطع، ومن زنا وهو محصن أقيم عليه حد الرجم, وهذه الأمور تسمى عقوبات وحدودًا، وفيها انتصار للمظلوم، وردع للجاني عن فعله, كما قال تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} المائدة 38، وكما قال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} الشورى 41, وقال تعالى: {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها} الشورى 40, وليس المقصود بهذا النوع الإضرار ابتداء، وإنما وقع فيه الإضرار مقابلة، فسمي إضرارًا إما حقيقة؛ لأن من يقام عليه الحد سيتضرر، وإما مجازًا؛ مقابلة له بفعله الذي فعله، كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها...} الشورى 40.
وفي هذا من الحكمة شيء عظيم للجاني نفسه، وللمجني عليه، وللمجتمع, أما الجاني فإن إقامة الحد في حقه رحمة به، وتطهير له مما وقع فيه، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت.
وأما المجني عليه فإنه يَشفِي نفسه مما حصل له، ومعلوم أن النفس إذا لم تستشف فإنها قد تفعل أعظم مما فعل بها.
وأما المجتمع فإن في إقامة الحدود حفظًا لهم من ظهور أسباب الفساد فيه, ولهذا ختم الله تبارك وتعالى آية السرقة بقوله: {..والله عزيز حكيم} فذكر اسمين عظيمين، وهما العزيز الذي لا يغلبه أحد, والحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها.
النقطة الخامسة: أهمية القاعدة.