فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 54

وهذا معنى قولِهِ تَعَالَى: (( قُلْ كُلٌّ يعملُ عَلَى شاكلتِهِ ) ) [الإسراء: 84] ، أَي: عَلَى مَا يُشاكِلُهُ ويُناسِبُهُ، فَهُوَ يعملُ عَلَى طريقتِهِ التي تُنَاسِبُ أَخلاقَه وطبيعتَه، وكلُّ إِنسانٍ يجري عَلَى طريقتِهِ ومذهبِهِ وعاداتِهِ التي أَلِفَها وجُبِلَ عَلَيْهَا؛ فالفاجرُ يعملُ بِمَا يشبهُ طريقتَه مِن مقابلةِ النِّعَمِ بالمعاصي والإِعراضِ عن المُنْعِمِ، والمؤمنُ يعملُ بِمَا يشاكلُهُ مِن شكرِ المنعِمِ ومحبَّتِهِ، والثّناءِ عَلَيهِ والتودُّدِ إِلَيْهِ والحياءِ منه، والمراقبةِ له وتعظيمِهِ وإِجلالِهِ.

العارفُ إِنّما يشكو إِلَى اللهِ وحدَه، وأَعرفُ العارفينَ مَن جعلَ شكواهُ إِلَى اللهِ مِن نفسِهِ لاَ مِنَ النَّاسِ، فَهُوَ يشكو مِن موجِباتِ تسليطِ النَّاسِ عَلَيهِ، فَهُوَ ناظرٌ إِلَى قولِهِ تَعَالَى: (( وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سيِّئةٍ فَمِنْ نَفْسِك ) ) [النساء: 79] ، وقولِه: (( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مصيبةٌ قَدْ أَصَبتُم مِثْلَيها قلتُم أَنَّى هَذَا قُل هُوَ مِنْ عندِ أَنفسِكم ) ) [آل عمران: 165] .

فالمراتبُ ثلاثةٌ: أَخسُّهَا أَنْ تشكوَ اللهَ إِلَى خلقِهِ، وأَعلاها أَنْ تشكوَ نفسَكَ إِلَيْهِ، وأَوسطُها أَنْ تشكوَ خلقَه إِلَيْهِ.

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ هَذَا الاسْمِ، وَسُمِّيت بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ ) فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ (سَمُّوهَا زَيْنَبَ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت