بقلم: خالد بن صالح الغيص
يطلق التأويل في اللغة على عدة معان، منها التفسير والمصير والعاقبة، وتلك المعانى موجودة في القرآن والسنة: قال الله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله} الأعراف: 53. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) أخرجه البخارى. وهو كذلك عند السلف.
ويطلق التأويل عند الخلف من علماء الكلام والأصول والفقه بأنه صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، وهذا التأويل مرفوض عند السلف واعتبروه تحريفًا باطلًا لنصوص الكتاب والسنة، وقد ظهر هذا المعنى للتأويل متأخرًا عن عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعصر الصحابة، بل ظهر مع ظهور الفرق ودخلوا منه إلى تحريف النصوص، وكانت له نتائج خطيرة، إذ كلما توغلوا في تأويل المعانى وتحريفها بعدوا عن المعنى الحق الذى تهدف إليه النصوص (نقلًا بتصرف من أصول وتاريخ الفرق الإسلامية لمصطفى بن محمد) وتسلطوا به على نصوص القرآن والسنة التي تثبت صفات الله عز وجل وحرفوها وسموا تحريفهم تأويلًا وزعموا بذلك أنهم نزهوا الرب عن مشابهة المخلوقين، ونسوا أنهم بذلك قد حرفوا نصوص القرآن والسنة وحملوها على معان فاسدة.
وقد أطلت برأسها - في الآونة الأخيرة - صورة جديدة من صور التأويل المرفوض - بمعناه عند المتأخريين - وهذه الصورة الجديدة كسابقتها تسلطت على نصوص القرآن والسنة ولكن ليست نصوص صفات الله عز وجل - كماهوعند الأولين منهم - بل النصوص الكونية التي تتحدث عن خلق المخلوقات والنصوص التشريعية وغيرها، فبدؤوا يؤولونها ويحرفونها ويحملونها على معان فاسدة متبعين بذلك للمتشابه من النصوص ولحوادث جزئية حدثت في التاريخ الاسلامي الطويل، فعلوا ذلك لأجل التوفيق - زعموا - بينها وبين النظريات العلمية الحديثة والأفكار والمذاهب المعاصرة كالديمقراطية والشيوعية والرأسمالية والوطنية والحرية وحقوق المرأة وغيرها وسموا تحريفهم هذا تأويلًا أو توفيقًا بين النصوص وبين الواقع وهم في حقيقة الأمر قد دلسوا على عوام الناس، فبدؤوا يلوون أعناق الآيات والأحاديث لتوافق ما ذهبوا إليه، فهذا يؤول ويحرف قول الله على لسان إبراهيم عليه السلام عندما حاج النمرود في ربه وقال له إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب كما في قوله تعالى في سورة البقرة آية 258، فقالوا ليست الآية دليلًا على دوران الشمس حول الأرض والذي به يتعاقب الليل والنهار، وأولوها بما يوافق النظرية الحديثة والتي تقول بدوران الأرض حول الشمس وقالوا: إن إتيان الشمس من المشرق هو فيما يبدوا للناس حتى لا يصطدم القرآن مع أهل القرون الماضية، فجاؤا بتفسير لم يسبقهم إليه أحد من السلف بل هو تأويل وتحريف لكتاب الله تعالى، ويظنون أنهم بفعلهم هذا أعلم وأحكم من السلف، فطعنوا بسلفنا الصالح كما طعن قدماؤهم بقولهم: إِنَّ طريقة السّلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا تنقّص للسّلف، وطعن في علمهم وإيمانهم، وتناقض ظاهر، إذ مقتضى السّلامة العلم والحكمة!! كل ذلك ليوفقوا بين الآيات والنظريات الحديثة في ظنهم، جاء في فتوى رقم] 9247 [من فتاوى اللجنة الدائمة بتوقيع الشيخ ابن باز وغيره من العلماء رحمهم الله:-
س: ما حكم الشرع في التفاسير التي تسمى بـ (التفاسير العلمية) ؟ وما مدى مشروعية ربط آيات القرآن ببعض الأمور العلمية التجريبية؟ فقد كثر الجدل حول هذه المسائل.
ج: إذا كانت من جنس التفاسير التي تفسر قوله تعالى:) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الأنبياء الآية 30، بأن الأرض كانت متصلة بالشمس وجزءًا منها، ومن شدة دوران الشمس انفصلت عنها الأرض ثم برد سطحها وبقي جوفها حارًا، وصارت من الكواكب التي