أخذ أبو علي عن كبار علماء عصره في بغداد علوم الأدب واللغة (وروى عن أبي العباس ثعلب، وأبي بكر بن دريد) ( ) .
فكان من نتيجة همته العالية وطموحاته المتواصلة أن صعد سلّم ريادة الخط، فكان رائد الخط العربي في العصر العباسي، كما صعد سلّم السياسة فكان وزيرًا أكثر من مرة، وقد أودت به طموحاته إلى السقوط، فقد قطعت يده التي كان يخط بها، كما دخل السجن بسبب سياسته الهوجاء فقضى حياته فيه، ومات بين جدرانه بائسًا.
في الوزارة
صحيح أن ابن كثير قال عنه: كان في أول عمره ضعيف الحال، قليل المال) ( ) إلاّ أنه استطاع أن يغير تلك الحال البائسة إلى أفضل حال. وأن ينثر المال حتى في غير أماكنه كما ينثر التراب، فقد كان في أول أمره أن أصبح جابيًا لخراج بعض أعمال بلاد فارس، فتغيرت أحواله من سيء لحسن، ومن حسن لأحسن، وبلغت سمعته الحسنة الخليفة المقتدر، فلما شغر منصب الوزارة التي كان يتسلمها علي بن عيسى، سمّي للخليفة ثلاثة ممن يرشحهم هذا المنصب وهم: (الفضل بن جعفر بن الفرات، وأبو علي بن مقلة، ومحمد بن خلف النيرماني، فقيل للخليفة المقتدر: أما ابن الفرات فقد قتلنا عمه الوزير أبا الحسن وابن عمه، وصادرنا أخته ولا نأمنه، وأما ابن مقلة فحدث غرٌّ لا تجربة له بالوزارة ولا هيبة له في قلوب الناس، وأما محمد بن خلف النيرماني فجاهل متهوّر ولا يدفع عن صناعة الكتابة والمعرفة) ( ) .
وأحب ابن مقلة أن يكون وزيرًا للمقتدر، وبذل في سبيل ذلك ما يملك من دهاء وخبرة في السياسة، فأُرسل إلى الأنبار ومعه خمسون طائرًا لنقل الأخبار ( ) التي كانت تحدث سريعًا، وتكاد تهدد جسم الدولة لكثرة الأحداث والفتن، فكانت الأخبار تأتيه على أجنحة الأطيار، فقيل للخليفة: (هذا فعله ابن مقلة فيما لا يلزمه، فكيف إذا اصطنعته؟) فولاّه المقتدر الوزارة على ما سمع عنه.