استلم ابن مقلة الوزارة فقرّب منه أصدقاءه وأقاربه، (فكان يعينه في تدبير أمور الوزارة أبو عبد الله البريدي لمودّة كانت بينهما) ( ) وكان ذلك سنة (316هـ) وبعد سنتين وأربعة أشهر أمر الخليفة أن يقبض عليه وأن تصادر أملاكه، ثم نفاه إلى بلاد فارس، وأحرق داره ليلًا، ونهب الناس ما فيها من حديد وأثاث وحجارة ليلًا ( ) .
وفي عيد الأضحى سنة (320هـ) استوزره الإمام القاهر بالله، وبقي وزيرًا له إلى أول شعبان سنة (321هـ) حيث بلغ الخليفة أن ابن مقلة قد تعاون مع ابن بليق للفتك بالخليفة، فاستتر واختفى عن أعين الناس، وكان ابن مقلة قد ضاق ذرعًا بالخليفة، وراح ينشر بين الناس دعاية سيئة ضده لخلعه (وطاف البلاد متنكرًا يؤلّب الناس عليه) ( ) .
ويبدو أن هذه التحركات المريبة التي كان يتحركها ابن مقلة ضد الخليفة القاهر قد أعجبت الخليفة الذي جاء بعده وهو الراضي بالله، فلما تولى الخلافة الراضي بالله في السادس من جمادى الأولى سنة (322هـ ) جعله وزيرًا بعد ثلاثة أيام من توليه الخلافة ( ) .
إسرافه وبذخه
حين نتتبع حياة ابن مقلة نجده ولد فقيرًا، وعاش مطلع شبابه حياة هي أقرب منها للبؤس من الرخاء والنعيم، لكننا نجده عاش عيشة الوزراء المتخمين والملوك، بعد أن بلغ مبلغ الرجال وأصبح وزيرًا. كما نلاحظ أنه قد جمع مالًا كثيرًا من خلال ولايته في فارس، وتولّيه الوزارة ثلاث مرات لثلاثة من الخلفاء. وكانت له صور من البذخ لم يسبقه إليها غيره، فخلال توليه الوزارة الأولى (كان يصرف لشراء الفاكهة خمس مائة دينار في كل يوم جمعة) ( ) .
وكان يحب تربية الحيوانات والطيور، ويعتني بزراعة الأشجار المثمرة، وقد تحدث ابن كثير عن بستانه الذي ملأه أشجارًا وطيورًا وحيوانات فقال: (كان له بستان كبير جدًا، عدة أجربة- أي فدان) ( ) .
وكانت الشبكة التي يغطي بها البستان من الحرير، وتحتها صنوف الطيور مما يتجاوز الوصف ( ) .