تحدث عن هذا البستان ومحتوياته ابن الجوزي فقال: (كان يفرخ فيه الطيور التي لا تفرخ إلاّ في الشجر، كالقماري، والدباسي، والهزار، والببغ، والبلابل، والطواويس، والقبج، وكان فيه من الغزلان وبقر الوحش، والنعام، والإبل، وحمير الوحش) ( ) .
وكان يعمل في هذا البستان عمال وخدمة للشجر والطيور والحيوانات وقد شاهد أحد هؤلاء العمال ازدواج طائر بحري على طائر بري، ولاحظهما ملاحظة دقيقة، فلما أيقن تفريخهما، أسرع إلى ابن مقلة وبشّره (بأن طائرًا بحريًا وقع على طائر بري فازدوجا وباضا وأفقسا، فأعطى من بشّره بذلك مائة دينار ببشارته) ( ) .
وقد ذم ابن كثير بذخ ابن مقلة، وأشار إلى زوال تلك النعمة التي كان ينعم بها وقال: (هذه سنة الله في المغترّين الجاهلين الراكنين إلى دار الفناء والغرور) ( ) وذكر أبياتًا لأحد الشعراء المعاصرين له، يذم فيها بذخه حين بنى قصره الشهير وبستانه. يقول فيها:
قل لابن مقلة لا تكن عجلًا
... ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام
تبني بأحجُر دور الناس مجتهدًا
... ... دارًا ستهدم قنضًا بعد أيام
ما زلت تختار سعد المشتريّ لها
... ... فكم نحوسٍ به من نحس بهرام
إن القران وبطليموس ما اجتمعا
... ... في حال نقضٍ ولا في حال ( ) إبرام
حقًا لقد لاقى ابن مقلة إبان ولايته ووزارته نعيمًا لا يكاد يوصف، ولم يكن عاقلًا في سياسة تلك النعمة، فانقلبت عليه وبالًا ونقمة، وجعلته عبرة لم يعتبر.
محنة ابن مقلة
من مصائب الأمراء أنهم لا ينزلون العلماء والأدباء منازلهم ويعتبرونهم كبقية الدهماء، ويجرون عليهم القانون الذي يجري على المجرمين والسوقة، وهذا ما جرى لابن مقلة حين رفع يده يعلن الرفض، وقال بلسانه: لا ثم لا. وكان يومها وزيرًا للخليفة الراضي بالله.