وقد ذكر بعض المؤرخين أن الخليفة قد استفتى الفقهاء فأفتوا بقطع يده ( ) ولعل تلك الفتوى بسبب كثرة ما يملكه من مال وضياع وما فعله في بستانه الكبير من تربية الطيور والحيوانات، وأن ذلك كسب غير مشروع يستحق عليه العقوبة.
لكن الخليفة الراضي ندم على ما فعل، فأمر الأطباء بملازمته ومداواته في السجن حتى يبرأ، ففعلوا ( ) .
يقول ثابت بن سنان الطبيب: (كنت إذا دخلت عليه في تلك الحال يسألني عن أحوال ولده أبي الحسين، فأعرفه استتاره وسلامته، فتطيب نفسه، ثم ينوح على يده ويبكي ويقول: خدمت بها الخلفاء وكتبت بها القرآن الكريم دفعتين، وتقطع كما تقطع أيدي اللصوص؟
فأسلّيه وأقول له: هذا انتهاء المكروه، وخاتمة القطوع فينشدني ويقول:
إذا ما مات بعضك فابك بعضًا
... ... فإن البعض من بعض ( ) قريب
وكان من صفات ابن مقلة أنه كان قاسيًا عاطفيًا عصبي المزاج، سريع الانفعال، عصاميًا، فرغم أن يده قد قطعت فإنه كان يطمع أن يعود وزيرًا ليفعل الأفاعيل وينتقم من غيره، وكان لا يتوانى من نقد غيره نقدًا جارحًا، والنيل منه نيلًا لاذعًا.
لقد خرج من السجن مقطوع اليد، لكنه استمر يخط بهذه اليد المقطوعة خطوطًا جميلة كالتي كان يخطها وهو معافى، وكان يربط على يده عودًا (قصبة) ويكتب ما يريد بنجاح كبير ( ) .
وتسرّبت أقواله القاسية بحق ابن رائق وغيره، وأخذ يكتب للخليفة الراضي يستعطفه ويطلب منه أن يجعله وزيرًا مرة رابعة، وكان مما كتبه له: (إن قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة) ( ) .
لكن الخليفة لم يلتفت إلى طلبه، بل زاد ذلك من غيظ خصمه ابن رائق، حيث أمر (بجكم التركي) أحد المقرّبين من ابن رائق بقطع لسان ابن مقلة، ورمي بالحبس مدة طويلة، كان فيه مهملًا، لا يخدمه أحد، ولا يقدم إليه ما يلزمه، (فكان يستقي الماء لنفسه من البئر، فيجذب بيده اليسرى جذبة، وبفمه الأخرى) ( ) .