ولم يرض الأدباء والشعراء للواقع الأليم الذي عانى منه ابن مقلة، نتيجة معارضته لوزير أو لأمير الأمراء في الدولة، فنظموا القصائد التي تستنكر تلك الفعلة التي أقدم عليها الخليفة من قطع يده ولسانه، فقد قال أحد الشعراء:
وقالوا: العزل للوزراء حيض
... ... لحاه الله من أمر بغيض
ولكن الوزير أبا علي
... ... من اللائي يسئن من ( ) المحيض.
كما ندد الصولي بالذين قطعوا يده للقضاء على مواهبه الفنية، أو ليخرسوا لسانه بالقمع والإرهاب والقطع فقال:
لئن قطعوا يمنى يديه لخوفهم
... ... لأقلامه لا للسيوف الصوارم
فما قطعوا رأيًا إذا ما أجاله
... ... رأيت الردى بين اللها ( ) والغلاصم
وفي الحقيقة أن أزلام الخليفة استطاعوا إسكاته وتنحيته عن الساحة السياسية، فهل استطاعوا إزاحته عن عرش المجد والخلود الذي اعتلاه بفنه وخطّه وذوقه؟
نبوغه وآثاره
شهد المؤرخون والباحثون لابن مقلة في جودة الخط وحسنه، فقد كان في عصره شيخ خطاطي بغداد، فلم يدركه أحد ممن عاصره، ولم يسبقه إلى طواعية القصبة له لاحق حتى قرون تلته. وقد ترك لنا رسالة بعنوان:"رسالة في علم الخط والقلم" ( ) ورجع إليها الأستاذ معروف زريق حين كتب كتابه (كيف نعلم الخط العربي) واعتبرها من مراجعه.
وقد أسهب الباحثون في ذكر جوانب إبداعه في الخط. فقد جاء في كتاب ثمار القلوب ما يلي: (كتب ابن مقلة كتاب هدنة بين المسلمين والروم بخطه، وهو إلى اليوم -أي زمن الثعالبي سنة 429 هـ - عند الروم في كنيسة قسطنطينية، ويبرزونه في الأعياد، ويعلقونه في أخصّ بيوت العبادات، ويعجبون من فرط حسنه وكونه غاية في فنه) ( ) .
ويذكر البحاثة عمر رضا كحالة أنه ترك ديوان شهر صغير يقع في ثلاثين ورقة ( ) من ذلك الشعر ما ذكره أصحاب الموسوعات الكبيرة كابن خلكان والذهبي وابن الجوزي وغيرهم، وقد قاله ابن مقلة في حالته البائسة بعد قطع يده:
ما سئمتُ الحياة لكن توثّقـ
... ... تُ بأيمانهم فبانت يميني