وذكر الذهبي أن ابن النجار ساق فصلًا طويلًا يدلّ على تيهه وطيشه، وكان من ذلك الطيش أنه كان إذا ركب يأخذ له الطالع جماعة من المنجمين، ليأمن المركب والطريق.
وذكر ابن كثير أنه حين عزل في زمن الخليفة الراضي (صودر منه ألف ألف دينار) ( ) .
وهذا المبلغ وغيره لا نشك في أنه جمعه بطرق غير مشروعة، وله سوابق الرقاع الكثيرة في مجلسين، ولو كانت كلّها تخصك لقضيتُها. فقبل جعفر يده) ( ) .
ولا شك أن ابن مقلة كان يقضي حوائج الناس، ويدير شؤون وزارته خير إدارة، ولعله في ذلك كان يطمح إلى أعلى من الوزارة، فقد كان يتظاهر أمام من يعرفونه بالعظمة، وعلو المقام، وكان يرى في نفسه المقدرة على إدارة أكبر الأمور، وكان ينظم ذلك شعرًا فيقول:
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة
... ... في شامخ من عزّة المترفّع
قالت لي النفس العزوف بقدرها
... ... ما كان أولاني بهذا ( ) الموضع
ولعل تلك الآمال هي التي أوردته المهالك. ولو بقي ابن مقلة كاتبًا خطاطًا لنال من المجد أكثر مما ناله في الوزارة، والذي نشاهده من خلال سيرته أنه طلب المجد بغير الخط فناله في الخط وسقط في السياسة.
قالوا فيه
لقد أثنى العلماء والمؤرخون على ابن مقلة كخطاط بارع، وفنان مبدع، لكنهم اعتبروه أرعنًا في السياسة، وسيءّ التصرف بماله، وما قام به من بذخ وإسراف اشمأزت منه نفوس عارفيه، وضمر له السوء أكثر الذين عرفوه في قصر الخلافة والوزارة. فقد كانت حياته صورًا مختلفة عجيبة، وفيها من المتناقضات والغرائب.
في ذلك تدل على أنه جمع مالًا لا يكاد يحصى.
كما نجد ابن مقلة يتغير عما به من صفات حسنة قبل الوزارة عما آلت إليه الأمور بعدها فغيرته كثيرًا. ونسي بعدها أعز أصدقائه الذين كان يأكل الخبز الخشن معهم فقد كان الشاعر جحظة صديقًا له، وبينهما صداقة متينة، ولما أراد جحظة أن يدخل على ابن مقلة بعد أن تقلّد الوزارة لم يؤذن له فقال:
قل للوزير أدام الله دولته